فهرس الكتاب

الصفحة 349 من 523

تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا، إلا أن سبب نزولها لا يمنع من انسياب معانيها المجازية متناسقة مترابطة مع ما قبلها وما بعدها من العظات والتوجيهات، لاسيما وقد كانت المرحلة مرحلة إعداد للجهاد القتالي دفاعا عن أمن الدعوة وأهلها، وتحريرا لحرمها المكي وقبلتها، وكفّا لأذى المنافقين في المدينة وأرجائها، وليس من الحكمة أن ينشغل بعض المسلمين بمراقبة حركة الكواكب والأهلة والجدال حولها، عن تربية الرجال وتنشئة الأبطال، ورص الصفوف وإعداد السيوف والرماح والنصال. إن الأمر أعجل من ذلك والعدو متربص داخل الحصون وعلى أطرافها، لذلك بادر الوحي بإقحامهم مباشرة في المهمة الآنية والأمر الجلل، لدرء الخطر المحدق وكف ما يعده لهم الكفار، فقال تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ} .

والقتال والمقاتلة صيغة مفاعلة معناه أن ترد من يريد قتلك بقتله، وتدفع ظلمه لك بما يكف ظلمه ويكافئ عدوانه ويفل سلاحه، إن بقتل أو جرح أو أسر أو مطلق هزيمة، وهو بذلك أشرف صور الجهاد وأعلى درجاته ونقطة الارتكاز في ممارسته، قال تعالى: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا} النساء 84. وقال: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} البقرة 216، وقال: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} التوبة 35.

أما الجهاد والمجاهدة فأن يبذل المرء جهده لكف شر الخصم في المجال العسكري والعقدي والفكري والأخلاقي والمادي والمعنوي، الجهاد اسم جامع لبذل منتهى الطاقة والوسع دفاعا عن الدين وأهله وأرضه، والقتال أداة من أدواته لا يكون إلا بها، وصيغة المفاعلة فيه ليفيد مقابلة قوة الخصم بما يكافئها ويصدها بدون وهن أو ضعف أو تردد. قال تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} آل عمران 146/ 147، والجهاد بذلك فريضة محكمة وأمر ماض إلى يوم القيامة، وما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا وغُزُوا في عقر دارهم وسُلِّطَ عليهم عدوهم وباؤوا بالخذلان في كل ما يرومون. قال صلى الله عليه وسلم: (إني لم أبعث باليهودية ولا بالنصرانية، ولكني بعثت بالحنيفية السمحة، والذي نفسي بيده لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها، ولمقام أحدكم في الصف خير من صلاته ستين سنة) ، وقد (سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي العمل أفضل؟ فقال: إيمان بالله ورسوله، قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور) ، وفي رواية الإمام مسلم عن أبي سعيد الخدري (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، فَعَجِبَ لَهَا أَبُو سَعِيدٍ فَقَالَ: أَعِدْهَا عَلَيَّ يَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت