فهرس الكتاب

الصفحة 348 من 523

والأهلة جمع هلال مثل رداء وأردية، وهو أول حال القمر حين يراه الناس، يقال له"هلال"ليلتين من أول الشهر و ليلتين من آخره، ويكون قمرًا فيما بين ذلك، وقد يكون سؤالهم عن حركة الكواكب والنجوم كلها لا عن الهلال وحده، من باب حمل النظير على النظير، أو من قبيل ذكر البعض وإرادة الكل، فيكون الجواب كما يقتضي الإيجاز في القول والحكمة في الترشيد والتلطف في التهذيب، بصرفهم عن معاني الخالقية في الكون إلى معاني تربط حركة الكواكب المنظورة بعبادتهم ونظام حياتهم في قوله تعالى: {هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} . ولا شك أن للعبادة في الإسلام مواقيتها، أوقات الصلاة نيطت بحركة الشمس شروقا وغروبا وزوالا، وشفقا وفجرا صادقا، وكسوفا وخسوفا، والحج له ميقات للإحرام والتلبية، وأوقات للأداء لا تجزئ مناسكه في غيرها، والصيام ارتبطت بدايته ونهايته بالقمر، وإمساكُه وإفطارُه بنور الشمس فجرا ومغربا، والحياة الاجتماعية زواجا وطلاقا وعدة ومحيضا وإستبراء وحدادا وكفارات وظهارا وإيلاء نيطت بالتوقيت القمري، والنجوم في السماء هادية في الأسفار إسراء بالليل وتغليسا، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ} يونس 5، وقال: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آَيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آَيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آَيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا} الإسراء 12، وقال: {وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} النحل 16. إلا أن السؤال عن خالقية الأهلة وقد آمنوا بمن خلقها، وفي ظروف تصحيح العقيدة وإقامة أركان الأمة وبناء القوة الذاتية، والإعداد للجهاد، ضرب من العبث وقابلية الاستدراج إلى غير هدف الإسلام ومقصده، لاسيما إذا كان بإيحاء من اليهود وهم أهل سحر واشتغال بالتنجيم شعوذة وإفكا، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من اقتبس علما من النجوم اقتبس شعبة من السحر) ، لذلك عقب عز وجل بتفصيل أكثر وضوحا للخطأ الذي حاول اليهود استدراج بعض المسلمين إليه بقوله: {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْا الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا} ، أي ليس من البر أن تهتموا بما لاينفعكم فيما أنتم مكلفون به، وتسألوا بطرق ملتوية عن أشياء لا تعلمون هدف استدراج اليهود لكم إليها، إنما البر أن تحتاطوا لدينكم وتحافظوا على سلامة معتقدكم وتتقوا ربكم {وََلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى} ، وتوطنوا نفوسكم على أن جميع أفعال الله تعالى صواب وحكمة وعدل، وهو عز وجل {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ} الأنبياء 21، وإذا ما لُبِّسَ عليكم في أمر فباشروا التعلم من رسولكم صلى الله عليه وسلم من الوجه الصحيح، واعْرِضوا عليه مسألتكم من بابها الواضح الصريح ولا يستدرجنكم أعداء دينكم إلى ما يريدون بكم {وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا} فذلك سبيل التقوى والفلاح {وَاتَّقُوا اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} .

والأصل في التعبير بدخول البيوت من ظهورها ما ورد عن سبب نزولها من رواية البخاري عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء رضي الله عنه يقول: (نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِينَا، كَانَتْ الْأَنْصَارُ إِذَا حَجُّوا فَجَاءُوا لَمْ يَدْخُلُوا مِنْ قِبَلِ أَبْوَابِ بُيُوتِهِمْ وَلَكِنْ مِنْ ظُهُورِهَا فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَدَخَلَ مِنْ قِبَلِ بَابِهِ فَكَأَنَّهُ عُيِّرَ بِذَلِكَ فَنَزَلَتْ: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت