فهرس الكتاب

الصفحة 355 من 523

وقال صلى الله عليه وسلم: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا أَنَّ رِجَالًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لَا تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي، وَلَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ، مَا تَخَلَّفْتُ عَنْ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ) .

ولعل ما ورد في سبب نزول هذه الآية الكريمة يغني عن شرحها، فقد أخرج الترمذي في حديث صحيح عن أسلم أبي عمران التجيبي قال: (كنا بمدينة الروم فأخرجوا إلينا صفا عظيما من الروم، فخرج إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى الجماعة فضالة بن عبيد، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم، فصاح الناس وقالوا: سبحان الله يلقي بيديه إلى التهلكة، فقام أبو أيوب الأنصاري فقال: يا أيها الناس إنكم تتأولون هذه الآية هذا التأويل، وإنما أنزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه، فقال بعضنا لبعض سرا دون رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أموالنا قد ضاعت وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم يرد علينا ما قلنا: {وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} ، فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها وتَرْكنا الغزوَ، فما زال أبو أيوب شاخصا في سبيل الله حتى دفن بأرض الروم) .

إن أولوية إنفاق المال الذي بأيدي المسلمين هي حماية أرضهم وأعراضهم وأنفسهم ووجودهم مطلقا، فليُعِدّوا بأموالهم ما يبقيهم دائما خير أمة قوية شاهدة، وإلا فالهلاك مصيرهم والاندثار مآلهم، قال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} الأنفال 60. وقال: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} البقرة 261. وعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية قال: (رب زد أمتي) ، فنزل قوله تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَة} البقرة 242، قال: (رب زد أمتي) ، فنزل: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} الزمر 10.

إن من التوازن الدقيق بين قوة الخير وقوة الشر، بين معسكر الإيمان ومعسكر الكفر، أن يتكافأ إنفاق المسلمين على قوتهم بما يفوق إنفاق العدو على قوته، وأن يرهبوا المعتدي عليهم بأشد مما يرهبهم به، إنه تكافؤ القوة وتوازن الرعب بذلا وإعدادا وتضحية، كما في الحديث الصحيح عن الرسول صلى الله عليه وسلم: (جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم) ، وقيمة البذل وشرفه بقيمة المبذول وشرفه، والتكافؤ في المصطلح العسكري أن تواجه الخصم بأدوات للحرب مكافئة له ومتفوقة عليه، بذلك ترجح كفة الإيمان ويكون النصر من الله تعالى والتمكين {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} آل عمران 126، إن توازن الرعب هو أحدث ما تفتقت عنه السياسات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت