فهرس الكتاب

الصفحة 311 من 523

فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ يس 40، وإلى التفكر في عجيب أمر البحر المسخر لمنافع الناس بما فيه من سفن جارية, وبما حواه من ثروات حيوانية ومعدنية وطاقات يكتشفها العلم على مر العصور وتطور العقول، وما يرونه من آثار رحمة الله إذ يحيي الأرض بعد موتها بتصريف الرياح اللواقح وتسخير السحاب الممطر، {أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ} الرعد 17

يعرض الحق تعالى دلائل وحدانيته وقيوميته مؤكدة بحرف التوكيد"إن"بقوله: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ... } ، ويختمها أيضا مؤكدة بلام التوكيد قائلا: {لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} ،للدلالة على أهمية العقل وحسن النظر في تلمس طريق الهداية إلى الحق، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ويل لمن قرأ هذه الآية فَمَجَّ بها) أي قذفها من فمه فلم يعتبر بها ولم تلهمه معرفة ربه ومطلق قدرته وشامل قيوميته وواسع رحمته وجزيل فضله.

إن التفكر في هذا الكتاب الكوني المفتوح المشهود، أرضا وسماء وأفلاكا وشمسا وقمرا ونجوما وسحابا ممطرا ورياحا مسخرة، وما بث فيه من الكائنات الحية تمشي وتزحف وتسبح وتطير، هو سبيل العقلاء لمعرفة الله وتوحيده، وما مثال إيمان إبراهيم عليه السلام بخفي، إذ تأمل الكون المنظور فآمن واهتدى {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّين فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} الأنعام 76/ 79.

وحري بمن يعرف ربه حق المعرفة، ألا يشرك به شيئا، إذ المعرفة الحقة تورث الولاء والمحبة والاستغراق في العبادة والطاعة، ولا يشرك بالله إلا الذين عطلوا عقولهم، واتخذوا مما سواه عز وجل أو معه آلهة زيف ومعابيد باطل، تصرفهم عن الهدى إلى الضلالة، فتعْمَى أبصارهم عن تأمل آية الكون المنظور وتعشى بصائرُهم عن استيعاب آيات الوحي المسطور، يحبون من لا يستحق المحبة ويوالون من يقودهم إلى غضب الله وعذابه، قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَادًا} والأنداد هي الأمثال والنظراء، مفردها ند، {يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ} يعبدونهم معه ويحبونهم كحبه، وذلك صريح الشرك وأعظمه كما ورد عنه صلى الله عليه وسلم عندما سئل: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ فقال: (أن تجعل لله ندًا وهو خلَقَك) .

ولئن كان هؤلاء المشركون يعبدون الأنداد من الجن والإنس، والأحجار والأوثان والرؤساء والحكام والملوك، يحبونهم ويضفون عليهم من صفات الألوهية والربوبية ما لا يقره عقل أو دين، فإن لله تعالى أولياء، عرفوه سبحانه ببديع حكمته وبالغ حجته، وسعة رحمته، وعدالة أحكامه، وعزة سلطانه، وتفرده بالكمال المطلق، فأحبوه أشد الحب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت