الأعظم في هاتين الآيتين: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} و {الم اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} آل عمران 1/ 2.
بهذه الآية الكريمة أوجز عز وجل معالم التوحيد الحق الخالص، بأركانه الثلاثة:
توحيدا للألوهية إفرادا لله تعالى بجميع أنواع العبادة التي أمر بها، دعاء وخوفا ورجاء وتوكلا ورهبة ورغبة وخشوعا وخشية، وإنابة واستعانة واستغاثة ونسكا ونذرا، قال تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} الجن 18.
وتوحيدا للربوبية، إقرارا بأن لا رب لجميع الخلق إلا الله تعالى، وأنه سبحانه الخالق الرازق المالك المدبر المحيي المميت، وحده لا شريك له.
وتوحيدا للصفات، إيمانا بأنه تعالى ليس كمثله شئ، وأنه لا يوصف إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به نبيه صلى الله عليه وسلم، وطريق معرفة ذلك الوحي قرآنا وسنة صحيحة.
ولئن كان الإسلام هو الانقياد لشرع الله والقيام بأركانه وواجباته واجتناب نواهيه، والتخلق بأخلاقه فإن له مدخلا واحدا ووحيدا، هو التوحيد الحق على النهج القرآني النبوي، يقينا في القلب وإعلانا باللسان وظهورا في العمل والتصرف، من حققه دون ريب أو شك أو اضطراب أو تردد هو المؤمن وهو المسلم، وهو الأخ الكريم، وهو اللبنة الصلبة في البناء الإسلامي المتماسك.
والآية بذلك أيضا بما تحمله من صفات رحمة الله تعالى بالخلق ورحمانيته دعاءٌ لأهل الشرك إلى الأوبة عن ضلالهم والإنابة من كفرهم، بما تلاها من دلائل الألوهية والربوبية التي لا تغيب عن ذوي الألباب، وقد ورد أن الكفار عندما نزل قوله تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} قالوا: إن محمدا يقول إن إلهكم إله واحد فليأتنا بآية إن كان من الصادقين فأنزل الله عز وجل ما تلاها وهو قوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} ، وعن عطاء قال: نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} فقال كفار قريش بمكة: كيف يسع الناس إله واحد؟ فأنزل الله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ ... } إلى قوله: {لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} .
وقد تضمنت الآية الكريمة جوابا واضحا بينا على هذين المطلبين، مطلب الدليل على الوحدانية ومطلب الحجة على شمولية قيومية الله تعالى للخلق أجمعين، بدعوتهم إلى تدبر ما يشاهدونه من بديع خلق ربهم عز وجل، أرضا وسماوات وحركة للشمس والقمر يتعاقب بها الليل والنهار، لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ