فهرس الكتاب

الصفحة 301 من 523

حتى أتاهم النصر والتأييد وخاطبهم رب العزة فقال: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} البقرة 214. هكذا نشأ الجيل الأول من رجال الإسلام، وقد رباهم القرآن الكريم والسنة النبوية على البلاء، فعن خباب بن الأرت قال: (شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ, قُلْنَا لَهُ: أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا أَلَا تَدْعُو اللَّهَ لَنَا؟ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهِ فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ أَوْ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ) .

إن لله تعالى في سنة الابتلاء حِكَمًا باطنها الرحمة واللطف بالمؤمنين، فهي وسيلة تُعَرِّفهم قدْرَ دعوتهم وخطورتها وعلو شأنها عند الله، وهي تربية لهم على الصبر والصمود والقوة عند لقاء العدو، وتعويد على أداء الأمانة في حالَيْ الاستضعاف والتمكين، وأداة لا تخطئ لتطهير الصف من المنافقين والمتخاذلين والانتهازيين والوصوليين والمدسوسين، وهي كذلك تكفير للسيئات ورفع للدرجات. ولو كان أحد أولى بأن يعفى من البلاء لكان الأنبياء والرسل، ولكنهم كلهم مروا من بوتقة المحنة واخْتُبِرَ معدنُهم في نارها قبل أن يمكن الله تعالى لهم، وعندما اشتد الأمر برسول الله صلى الله عليه وسلم لِمَا ناله من أذى قومه خاطبه رب العزة قائلا: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآَيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ} 33/ 35. ولذلك بين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الابتلاء صفة لازمة لا يعفى منها نبي أو رسول، فعن أبي سعيد الخدري قال: (دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يوعك، فوضعت يدي عليه فوجدت حره بين يدي فوق اللحاف، فقلت: يا رسول الله ما أشدها عليك، قال: إنا كذلك يُضَعَّف لنا البلاء ويُضَعَّف لنا الأجر، قلت: يا رسول الله أي الناس أشد بلاء؟ قال: الأنبياء، قلت: يا رسول الله ثم من؟ قال: ثم الصالحون، إن كان أحدهم ليبتلى بالفقر حتى ما يجد أحدهم إلا العباءة يحويها، وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء) ، وقال صلى الله عليه وسلم يصف حال المؤمن في الدنيا: (مثل المؤمن كمثل الزرع لاتزال الريح تميله، ولايزال المؤمن يصيبه البلاء، ومثل المنافق كمثل شجرة الأرز لا تهتز حتى تُسْتَحْصَد) .

وبعد أن يصهر معدن المؤمن بالمحنة فيصبر ويلجأ إلى الله، ويثبت على الحق لا تأخذه فيه لومة لائم، وتزداد القيم والموازين الإيمانية في قلبه وعقله وضوحا واتساقا، مسترشدا بما هداه إليه ربه من حقائق الغيب والشهود، موقنا بأن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت