بالجهاد الأصغر مطلقا، لأن جهاد الكفار من أعظم الأعمال وأفضل القربات، قال تعالى: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} التوبة 20، وقال: {فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} النساء 74.
وقد روى مسلم عن أَبي هريرةَ قال: (قِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَعْدِلُ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؟ قَالَ:(لَا تَسْتَطِيعُونَهُ) قَالَ: فَأَعَادُوا عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: (لَا تَسْتَطِيعُونَه) ، وَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ: (مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الْقَانِتِ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَفْتُرُ مِنْ صِيَامٍ وَلَا صَلَاةٍ حَتَّى يَرْجِعَ الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى)
إن من قتل في سبيل الله قد استوفى أجله في الدنيا ولحق بالحياة الحقة الكريمة والنعيم الأبدي، لكن ما حال المؤمنين الذين لم ينالوا شرف الشهادة بعد؟ هؤلاء يخاطبهم الله تعالى عقب ذكره مآل الشهداء مباشرة بقوله: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ} أي: لنختبرنكم ونمتحننكم بأنواع من البلاء تجلو مكنون أنفسكم ونواياكم وتخرجه من غيب يعلمه الله تعالى إلى شهود يكون حجة لكم أو عليكم يوم العرض والحساب.
إن حال المؤمن في اختبار دائم وبلاء مستجد، لأن الدنيا كما أرادها خالقها عز وجل دار عمل ولا جزاء والآخرة دار جزاء ولا عمل، {وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} آل عمران 185. والنجاة كما قررها تعالى في سننه لمن شحذ همته وقوى عزيمته وأخذ دينه بقوةٍ لا ضعْفَ فيها، وجِدٍّ لا عبَثَ فيه، ويقظةٍ لا غفلةَ فيها.
إن الابتلاء سنة جارية في الناس كلهم، يُبْتلَوْن بإرسال الرسل والرسالات، فيتميز المؤمن من الكافر، ويُبتلى الناس في النفس والمال والأهل والولد فيفرز الصابر المحتسب من الجزوع الضعيف، والبَرّ الصادق من الكاذب المفتري والمنافق، ويُبتلى الصالحون فيُرَتَّبون في درجات عند ربهم، ويبتلى الأنبياء فيُفضِّل الله بعضهم على بعض، قال تعالى: {الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} العنكبوت 1/ 3، وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟ قَالَ: الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الصَّالِحُونَ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ مِنْ النَّاسِ، يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صَلَابَةٌ زِيدَ فِي بَلَائِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ خُفِّفَ عَنْهُ، وَمَا يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَمْشِيَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ لَيْسَ عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ) ، ولقد أوذي رسول الله صلى الله عليه وسلم ووقع عليه وعلى الجيل الأول من المسلمين بلاء شديد فصبروا وصابروا