فهرس الكتاب

الصفحة 296 من 523

العقاب، ولئن خلقهم عز وجل ليعبدوه ويوحدوه ويسبحوه بكرة وأصيلا، فإنه لا يبالي ولا يكترث بمن لا يعبده {قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ} الفرقان 77، أي لولا عبادتكم، قال صلى الله عليه وسلم: (الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ) ، لذلك علق إحسانَه للناس بإحسانهم عبادته، وذِكْرَه لهم بذكرِهم له فقال: {فَاذْكُرُونِي} أمرهم بالذكر الذي هو إدراك لفضل الله ونعمه مسبوق بالنسيان، متلو بالتوبة والإيمان والإحسان، وجواب الأمر قوله تعالى: {أَذْكُرْكُمْ} أي أُثِبْكم وأَجْزِكم أجرَكم بأحسن ما عملتم، وسَمَّى الإثابةَ ذكرا على سبيل المجاز للجوار والمقابلة، إذ هو عز وجل منزه عن النسيان، والثواب نتيجة لذكر المؤمنين ربهم، قال تعالى: {لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ} ، ثم شرح أمره لهم بالذكر فقال: {وَاشْكُرُوا لِي} والشكر هو الاعتراف بحق المنعم والثناء عليه، ولا يكون ذلك لله إلا بإحسان العبادة طاعةً مطلقة للأوامر والنواهي واتخاذا للحياة سبيلا لمرضاته وتوحيده مُعْتقَدا وعملا، ولأن كفر النعم مضادٌَ لشكرها أعاد أمرَ الذكر والشكر مؤكدا بالنهي صراحة عن ضدهما، وهو الكفر مطلقا، كفر النعم وكفر المنعم فقال: {وَلاَ تَكْفُرُونِ} . وهو مثل قوله تعالى أيضا: {وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيم} النملٌ (40) .

إن بناء الأمة الإسلامية إنسانا ودولة شاهدة ليس بالأمر اليسير، والتضحيات على قدر الأهداف، والبذل على قدر الهمم، والإعداد على قدر المشقة المرتقبة وبعد السير والمسير، ولئن كان الإيمان نقطة الانطلاق إلى الدار الآخرة، وكانت أجساد المؤمنين هي الركوبة في الطريق، وأرواحهم هي طاقة الاندفاع فيها والاستماتة عليها، والجهاد رأس سنام إقامة أمرها وأعز سبل تسنم ريادتها، فإن الله تعالى تكفل بهداية أهل الإيمان إلى سنن الإعداد ووسائل النصر، فأمر بتطهير القلوب من خشية غيره بالغيب، وتوخي الاستعانة بالصبر والصلاة في عالم الشهود، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ} . ولا شك أن افتتاح هذه الآية الكريمة بحرف النداء، تنبيه لأهمية ما تشير إليه من ضرورة إعداد القوة وتهيئة النفوس للثبات على الحق والبذل في سبيل الله والإقبال على الشهادة.

إن المؤمن وقد اختار طريق الجنة على مشقته لابد أن يوطن نفسه على الصبر، الصبر على ترك المحرمات والنفوس تشتهيها، والصبر على أداء الواجبات وهي ثقيلة، والصبر على تحمل الأذى ثباتا على العقيدة ودفاعا عنها وذبا عن أهلها، وقوة في مواجهة فتن تخذيل الصف المؤمن ومحاولات تمزيقه ومكايدته. وإن الصلاة وهي عماد الدين، بأركانها وخشوعها وصدق توجهها واستمدادها العون والهداية منه تعالى خير زاد للمؤمن في الحياة الدنيا وخير مفتاح للجنة في الآخرة، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر صلى، فإن تحقق هذا الصبر في الصف المؤمن المحافظ على الصلاة بطقوسها وروحانيتها وما تؤدي إليه، كانت المعية الإلهية بالنصر المؤزر، والتمكين العزيز بقوله تعالى {إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} ، ولا يكون صبر إلا بطاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ووحدة صف أهل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت