والعقيدة السوية {وَيُزَكِّيكُمْ} ، ويعلمهم أحكام القرآن قراءة ومعاني وشرائع وعظات وتجارب أقوام وسنن كون في النفس والمجتمع والمبدأ والمعاد {وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ} ، وينمي بسنته القولية والعملية والتقريرية مداركهم في الفهم والاستيعاب ومعرفة دوافع الأقوال والأعمال ومقاصدها ومآلاتها {وَالْحِكْمَةَ} ، كما يعلمهم من آداب التلقي والأداء تعلما وتعليما، ومراشد التفكير استقراء وتحليلا واستنباطا، وقوانين التغيير والتغير، والترقي والتخلف، وسنن الله في الخلق والنشوء والاندثار ما لم يكونوا يعلمون {وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} .
وبما أن العاقل يعرف هذه النعم الإلهية فلا بد أن يستشعر مسؤوليتها وواجب شكرها، وهو المفتقر إلى ربه في كل أمره، لذلك يخاطب عز وجل في كل مسلم عقله وحكمته التي تلقاها من نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ} .
إن إحسان النعمة لا يوازيها عند العقلاء إلا إحسان الشكر، لذلك يستحث الله تعالى عباده على أن يحسنوا شكر نعمه بذكرهم له في سرهم وعلانيتهم وأقوالهم وأعمالهم، وسائر تصرفاتهم. يذكرون بره وإحسانه، إذ أرسل إليهم من أنفسهم رسولا معلما، وهداهم إلى قبلة ابي الأنبياء، وأسبغ عليهم من النصر والتمكين ما لم يكن لهم على ضعفهم وقلة عددهم، واختارهم من بين أمم الأرض حملة للرسالة الخاتمة والشهادة على الناس في الدنيا والآخرة، يذكرونه بطاعة أوامره ونواهيه في الكتاب والسنة، قال صلى الله عليه وسلم: (لو أن رجلا خَرَّ على وجهه من يوم ولد إلى يوم يموت هرما في طاعة الله عز وجل لَحَقَرَه ذلك اليوم، وَلَوَدَّ أنه رُدَّ إلى الدنيا كيما يزداد من الأجر والثواب) ، و قال أبوبكر رضي الله عنه:"كفَى بالتوحيدِ عبَادةً، وكَفَى بالجنةِ ثَوابًا"، يذكرونه بالتوحيد والإيمان واللسان والجنان، في الخلوة وبين الأهل والخلان، يذكرونه في خلوتهم فتفيض أعينهم من محبته وخشيته، ويذكرونه في الناس فتغشاهم الرحمة والطمأنينة والسكينة، ويذكرونه في تصرفاتهم وأعمالهم فيجعلونها خالصة لوجهه الكريم، وعند مقارفة المعاصي والشبهات فيتركونها ويعرضون عنها حياء منه عز وجل، يذكرونه إذا بدا لهم أمر من الدنيا فيه مقال يرضيه فلم يكتموه، وظهر لهم الحق فلم يخافوا إلا الله وجهروا به، ووجب عليهم الجهاد فلم يترددوا ولم يولوا الدبر، قال صلى الله عليه وسلم: (لِيتَّخِذْْ أحدُكم قلبًا شاكرًا ولسانًا ذاكرًا) ، وقال رواية عن ربه تعالى أنه قال: (أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً) ، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} الأنفال 45، وقال: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ} آل عمران 191.
إن الله تعالى غني عن العالمين، لا تنفعه طاعتهم أو ذكرهم، ولا تضره معصيتهم، وإنما كلفهم لمنافعهم، فإن أحسنوا كانوا محسنين لأنفسهم، وإن أخلُّوا بما وجب عليهم لم يضروا إلا أنفسهم، من حيث حرموا الثواب واستحقوا