تعالى وأمطرت عليهم السماء تثبيتا لأقدامهم وقلل عز وجل المشركين في أعينهم تشجيعا لهم على القتال، وأمدهم بجند من السماء، وأخبر رسولَه صلى الله عليه وسلم بمصارع القوم حتى قال لأصحابه قبل القتال: (هذا مصرع فلان غدا إن شاء الله، وهذا مصرع فلان غدا إن شاء الله .. ) ، فرأى المسلمون ذلك على ما أشار إليه صلى الله عليه وسلم وذكره، وقد روي عن أنس رضي الله عنه أنه قال: (أنشأ عمر بن الخطاب يحدثنا عن أهل بدر فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرينا مصارع أهل بدر بالأمس من بدر، يقول: هذا مصرع فلان غدا إن شاء الله، قال عمر: فوالذى بعثه بالحق ما أخطؤا الحدود التى حدها رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى انتهى إليهم فقال: يا فلان بن فلان ويا فلان بن فلان هل وجدتم ما وعدكم الله ورسوله حقا فإنى وجدت ما وعدني الله حقا؟ فقال عمر: يا رسول الله كيف تكلم أجسادا لا أرواح فيها؟ فقال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم غير أنهم لا يستطيعون أن يردوا شيئا) . قال تعالى: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آَمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} الأنفال 11/ 12.
هذه النعم الإلهية، نعم هداية المسلمين إلى قبلة إبراهيم، وإنقاذهم من جبروت قريش، وحمايتهم من مكر أهل الكتاب، والتمكين لهم في المدينة، وتأليف قلوبهم على أخوة العقيدة جسدا واحدا، وبنيانا مرصوصا، كما أنها حلقة من حلقات نصر الله تجلت واقعا ملموسا حيا في بدر {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ} آل عمران 123، فهي أيضا ثمرة لنعمة أكبر هي أم النعم، وإتمام لفضل من الله أعظم هو مصدر النجاح والتوفيق، تجلى في استنقاذهم من الظلمات إلى النور، ومن الجهل إلى العلم، ومن دناءة النفوس والأخلاق إلى طهارة الأرواح والأجساد والسلوك، ببعثة رسول منهم وفيهم، أرسله الله تعالى إلى العالمين وامتن به عليهم، وأناط به القيام بما يصلحهم تربية وتزكية وتعليما وهداية فقال: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} .
إن أعظم النعم على المؤمن هي الهداية إلى صراط الله المستقيم، لأنها المؤدية إلى رضاه عز وجل، والسبيل إلى الجنة وسعادة الدارين، ولا مطمع فيها إلا باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، لذلك كانت بعثته وإرساله فاتحة النعم ورأسها، وقد جعله الله تعالى رحمة بهم وتأليفا لقلوبهم وتحبيبا للخير إليهم وزيادة في التفضل عليهم، من ذرية أبيهم إبراهيم عليه السلام رافع قواعد كعبتهم، واستجابةً لدعوته الله تعالى لهم بقوله: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} البقرة 129. إنه رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم يبلغهم القرآن ويتلو عليهم آياته {يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا} ، ويطهرهم من شرك المعتقد وأدناس الأرواح والأبدان، وينميهم بالخيرات والبركات الحسان، ويرفع درجتهم بالأخلاق الحميدة والأوصاف الزكية