فهرس الكتاب

الصفحة 293 من 523

الدين وركن الإسلام وآية من كتاب الله، من رآها تقام فقد بلغته الدعوة وبلغه أمر صاحبها عليه الصلاة والسلام، وأقيمت عليه الحجة.

ولأن الناس من غير المسلمين تختلف ردود فعلهم عندما تبلغهم الدعوة، ويعرفون أهلها والمبعوث بها، منهم المسارع إلى الإيمان، ومنهم المصر على الكفر من غير عدوان، ومنهم العدوانيون الظالمون الذين يتصيدون فرص الغدر والإيذاء، فقد استثنى تعالى هذه الطائفة الحاقدة من أحكام الموادعة والمسالمة معاملة لأهلها بالمثل، وحرض على عدم الخوف منهم أو إيلائهم أي اعتبار، فقال عز وجل: {إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي} ، أي لا تخشوا بأس الظالمين العدوانيين من الذين تبلغهم دعوتكم أو يرون صلاتكم فتستفزهم للانقضاض عليكم، لأن الله وحده أحق أن تخشوه، بيده حمايتكم ونصركم وهزيمة عدوكم؛ خشيتكم الله تعالى وحده، وإقامتكم الحجة على الناس بتبليغهم رسالة الإسلام، هي طريق هدايتكم إلى النجاة ووسيلة إتمام نعمته عليكم بخيري الدنيا والآخرة، {وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} ،

لقد ورد الأمر بالتوجه إلى الكعبة في هذه الآيات الكريمة أربع مرات متتابعات، الأولى لبيان فرضيتها بقوله تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} والثانية لتقرير علم أهل الكتاب بها وجحودهم إياها بقوله عز وجل: {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُون} ، والثالثة لبيان أحقيتها بأن تكون قبلة واستدامة توجه المسلمين إليها بقوله سبحانه: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّك} ، والرابعة لتطهير القلوب من الخشية مما سوى الله، وتبليغ الدعوة إلى الناس وإقامة الحجة والشهادة عليهم يوم القيامة فقال: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي} .

ولعل اختلاف كثير من المفسرين في شرح حكمة تكرار الوحي لهذه الآيات الكريمة، واضطراب تأويلات بعضهم لها، راجع إلى أنهم لم يضعوها ضمن السياق القرآني الواردة فيه، وهو نهاية مرحلة الاستضعاف وموادعة المعتدين، وبداية الإعداد للقوة تشريعا متميزا ومواقف متحدية ونفسيات مستعلية بالإيمان، وتحفيزا لمكامن القوة لدى المسلمين، وتهيئة للجهاد في سبيل الله تعالى، لاسيما وتحويل القبلة كان قبيل فرض الصيام بحوالي شهر، وقبيل غزوة بدر بأقل من شهرين، أي في رجب أو شعبان من السنة الثانية للهجرة، وفرض رمضان كان بعده في شعبان، وغزوة بدر الكبرى كانت بعدهما في رمضان من نفس السنة.

بهذا الإيمان العميق والإعداد العقدي والانضباط الحركي تجلى الوفاء بالوعد الإلهي للمسلمين إذ قال عز وجل عقب إخراجهم من مكة: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} الحج 39، وتمت نعمته تعالى عليهم بقوله: {وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُم} ، وذلك بالنصر المؤزر في غزوة بدر الكبرى، وقد غشاهم النعاس أمنة منه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت