فهرس الكتاب

الصفحة 292 من 523

وشرط لهم، وبعث إلى الأعراب حول المدينة وكان يخاف عدوانيتهم، سرايا تنذرهم قوة المسلمين وتحجزهم عن الغدر والأذى، وتهيئ الصف المسلم للمرحلة المقبلة، وتعده لها تعبئة نفسية وسوقا عسكريا. كل ذلك والوحي يتقدمه تنزيلا قرآنيا بقوله تعالى عقب الهجرة مباشرة: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌْ} الحج 39، وقوله صلى الله عليه وسلم في أول خطبة له لأول جمعة صلاها بالمدينة: (فأحسنوا كما أحسن الله إليكم، وعادوا أعداءه، وجاهدوا في الله حق جهاده، هو اجتباكم وسماكم المسلمين ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيي عن بينة ولا قوة إلا بالله .. ) .

بهذا الوضوح في الهدف وهذه الشفافية في الإعداد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسوس المجتمع الأول للمسلمين، وفي هذا الإطار بعد أن تتامت الصلوات المفروضة وشرع الأذان لإعلانها والإعلام بها، تحولت القبلة إلى أصلها الإبراهيمي بالبيت الحرام، تميزا في المضمون العقدي والشعار المرفوع، وتحديا للمشركين وأهل الكتاب، بقوله تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} البقرة 144.

ولأن المرحلة كانت تقتضي بناء نفسيا للمسلمين يشعرهم بقوتهم ويوثق صلتهم بربهم، ويرقى باستعلائهم الإيماني إلى مصاف الجهاد والشهادة، وكانوا يخشون إعلان دينهم في أسفارهم وعند ارتيادهم مضارب الأعداء خارج المدينة، والصلاة في اتجاه البيت الحرام كاشفة لهويتهم الدينية، فقد خطا بهم الوحي خطوة متقدمة أخرى، وأمرهم بأن يؤدوا صلواتهم متجهين للكعبة أنى كانوا وحيثما كانوا، لا يخشون أحدا إلا الله، فقال تعالى مؤكدا التوجه الجديد والبقاء عليه: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} ، ومن ثم لم يعد لهم التخفي بدينهم، لأن ما لديهم هو الحق من ربهم، وقد وعدهم عزَّ وجل بالنصر عقب إخراجهم من بيوتهم في مكة فقال: {وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} الحج 39، ومن ثم أيضا صار كل مسلم أنى حل وارتحل قرآنا يسعى في الأرض، يهدي الناس إلى صراط مستقيم ويقيم عليهم الحجة بصلاته المتميزة ودينه الجديد المعلن، ولذلك كرر تعالى الأمر بالتوجه إلى القبلة عبر الآفاق مرفقا بعلته فقال: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ} ، أي لئلا يحتج الكفار عليكم يوم القيامة بعدم التبليغ، وذلك لأن الصلاة عماد للدين وحجة عملية على من بلغه أمرها، وشهادة عليه يوم القيامة، فلا يسعه إنكار علمه برسالة الإسلام وبعثة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا تكون له على المسلمين حجة بادعاء عدم التبليغ يوم القيامة، والأمة الإسلامية شاهدة على الناس، وهو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بَلِّغوا عنِ اللهِ، فمَنْ بَلَغَتْه آيةٌ منْ كتابِ الله فَقَدْ بَلَغَهُ أمْرُهُ تعالى) وقوله: (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ) . والصلاة عماد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت