فهرس الكتاب

الصفحة 297 من 523

الإيمان قلوبا ومعاملة وقبلة ومواجهة عدو، قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} الأنفال 46.

لقد جمع عز وجل في هذه الآيات الكريمة للمؤمن أهم مصادر القوة والمنعة، الذكر والشكر والصبر والصلاة والمعية الإلهية، إعدادا للصف المسلم للجهاد في سبيل الله، الذكر اصطحاب للمبدأ والمعاد في السر والعلن يقوي زخم الاندفاع في نحر العدو، والشكر استزادة لفضل الله تعالى وبركاته في الأقوال والأعمال، والصبر تثبيت على الحق واستمطار للقوة من مصدرها الرباني، والصلاة عبادة واستعانة واستهداء للصراط المستقيم، والمعية الإلهية تتولى ذلك كله تسديدا وتوفيقا ونصرا واستعلاء إيمان، قال تعالى: {فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُم} محمد 35. وقد آتى هذا الإعدادُ الرباني أكلَه مباشرة، وحَقَّقَ أولَ ثمار الذكر والشكر والصبر والصلاة بعون الله وفضله، في غزوة بدر الكبرى، إذ هُزِمَ الكفار شر هزيمة، ولم يفقد المسلمون فيها إلا أربعة عشر رجلا: ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار، ولما أصبح الناس يقولون: مات فلان ومات فلان، نزل الوحي يتمم تربيتهم وتأهيلهم، ويفسح لقلوبهم وبصائرهم بابا من الغيب لا يراه إلا المؤمنون، ويعلمهم منهج الإسلام في التعامل مع ظاهرة الاستشهاد حقيقة ومآلا، فقال تعالى: {وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ} .

لقد أعطت التعبئة العقدية الروحية والوجدانية نتائجها المرجوة في غزوة بدر، فلم يبق إلا تصحيح بعض المفاهيم والموازين، وتوضيح قيم وحقائق مصدرها الغيب ومرجعها إلى رب الغيب والشهود، إن الرؤية المادية الجافة المحدودة التي تعتمد على مظاهر الأشياء وتعمى عن حقيقتها وخلفياتها ومآلاتها لا ترى إلا عالم المادة المنبتر عن الوجود الحق، فتعد قتلى الجهاد موتى، ولكن الرؤية الإيمانية التي تنظر بنور الله تعالى، وتربط الحال بالمآل وعالم الشهادة بعالم الغيب، وتتلقى القيم والموازين من خالقها دون سواه، ينبغي ألا تقول لقتلى الجهاد"أموات"، وألا ترى في قتلهم إلا الحياة النورانية الكريمة الطاهرة الزكية، لأنهم في ميزان الله تعالى أحياء، وإن عميت عن هذه الحقيقة الأعين وعشيت الأبصار، إن هؤلاء الشهداء هم خير قتلى أهل الأرض، لقد فازوا بفضل القتل في سبيل الله ولكنهم لم يموتوا، إذ الموت في حقيقته من أمر الله تعالى يقرره لمن شاء، وقد شاء لهم بواسع فضله الحياة، الحياة الحقيقية التي لايعرفها الجاحدون ولا يتصورها المحجوبون، على هذا النهج ينبغي للمسلمين أن يتعاملوا مع شهدائهم الأبرار الذين قتلوا ويقتلون في معارك الحق ضد الباطل والإيمان ضد الكفر، إنهم الشهداء وإنهم الأحياء، ولا شك أنهم في الآخرة يشعرون بالحياة الكريمة التي احتضنتهم حال قتلهم، قال تعالى: {وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ} الحديد 19، وقال صلى الله عليه وسلم: (مَا أَحَدٌ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا وَلَهُ مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا الشَّهِيدُ يَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ لِمَا يَرَى مِنْ الْكَرَامَةِ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت