فهرس الكتاب

الصفحة 261 من 523

ثم لما بين عز وجل مكان صلاة ركعتي الطواف للحجاج والمعتمرين، أمر إمامهم إبراهيم وولده إسماعيل بإعداد قبلتهم طاهرة طهارة مادية ومعنوية فقال: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} العاكفين: أي المقيمين المجاورين للبيت بقصد الإكثار من العبادة في المسجد الحرام، والركع جمع راكع، والسجود: جَمْعٌ سَمَاعِيٌّ مفرده ساجد، ومنه شاهد وشهود وهاجع وهجوع.

وقوله تعالى: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ} : أي وصينا وأوحينا وأمرنا إبراهيم وإسماعيل بأن يبنيا البيت مطهرا بصدق نية وإخلاص عمل، على تقوى من الله ورضوان، كما قال تعالى: {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ} التوبة 109، وبصيانته من كل ما لا يليق به من الأدناس المادية والمعنوية، أمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر، وتطهيرا من الأرجاس والأوساخ والأوثان، ومن كل آثار الشرك ومظانه. وتهيئته طيبا مريحا للحجاج والمصلين والمتعبدين، بما يعينهم على أداء مناسكهم وتقوية الإيمان في قلوبهم. ولما كان إبراهيم بِِجَعْلٍ من ربه إماما للناس كافة، و الإمام راع ومسؤول عن رعيته، ووظيفة الإمام أن يهدي الناس للحق والخير ويعينهم عليه، قال تعالى: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ} الأنبياء 73، فإن إبراهيم وولده إسماعيل بدآ مهمتهما بما يبدأ به المؤمن، وهو الاستعانة بالله على ما كلفا به والدعاء للمؤمنين في وادي مكة بالأمن وكفاية الرزق {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ} ، أي أسبغ على أهل هذا الوادي الذي نبني فيه بيتك الأمن وكفاية الحاجات من الثمرات، وكأنما منعهما الحياء من الله أن يشركا مَنْ كفر في هذا الدعاء، فعقب تعالى عليه: {قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} ، مبينا قاعدة عدل في الدارين، أن الرزق في الدنيا للبر والفاجر، وأن الآخرة لمن آمن واتقى، وهو تعالى يمتع الكافر قليلا، إذ (لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء) كما قال صلى الله عليه وسلم، ثم يلجئه بعد ذلك إلى أسوأ مصير وهو عذاب الآخرة في جهنم {إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا} الفرقان 66.

وامتثالا لأمر الله لهما بتطهير البيت وتحلية بنائه بالصدق والإخلاص، يتوجهان بالدعاء إلى الله تعالى وهما يرفعان قواعد الكعبة بناء وتعلية، وهو سميع لهما عليم بسرهما وعلنهما وجهرهما ونجواهما، يسألانه استقواء به واستعانة، أن يتقبل عملهما {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} ، وأن يثبتهما على الإسلام الذي ارتضاه لهما، ويجعل من ذريتهما أمة مسلمة له، خاضعة منقادة لتعاليمه، ممتثلة أمره مجتنبة نهيه، وأن يتولاهما وذريتهما بالهداية إلى شرائع الدين، والتوبة النصوح إلى الحق في كل حين {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ} ، {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا} أي علمنا ما فرضت علينا من الشرائع والمتعبدات، لأن أصل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت