فهرس الكتاب

الصفحة 260 من 523

ولما كانت وظيفة الإمامة ومسؤوليتها تعبيد الناس لخالقهم، فإن من مقتضياتها أن يمهد الإمام لرعيته سبل العبادة وأدواتها ووسائلها، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، لذلك بين تعالى لإبراهيم ما ينبغي القيام به من ذلك أولا بأول، وأوله مكان الصلاة من البيت، وهو مقام إبراهيم، فقال: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} ، أي اجعلوا منه مكانا للصلاة.

ولئن اختلفت الأخبار والروايات حول تحديد المقصود من المقام المُتَّخَذِ مُصَلًّى، فإن أرجح الأقوال هو مكان قيام إبراهيم عليه السلام عند بناء الكعبة مع ولده إسماعيل، ومقامه عندها للصلاة والتعبد، وهو المعروف حاليا في المسجد الحرام، وإن كانت الصلاة فرضا ونفلا في المسجد الحرام كله أكثر ثوابا من الصلاة في غيره كما قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري: (صلاةٌ في مسجدِي هذا خيرٌ من ألفِ صلاةٍ فيما سِواه إلاّ المسجدَ الحرامَ) .

وإذا كان الأصل في صيغة الأمر في الكتاب والسنة هو الوجوب فإن قوله تعالى {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} يفيد وجوب الصلاة في مقام إبراهيم، مع أن الصلاة يجزئ القيام بها في بقاع الأرض كلها، مقاما وغير مقام، كما قال صلى الله عليه وسلم: (وجُعِلَتْ ليَ الأرضُ مَسجِدًا وطَهورًا فأَيُّما رَجُلٍ من أُمَّتي أدرَكَتْهُ الصلاةُ فلْيُصَلِّ) ، لذلك أتت السنة النبوية تشرح ما أشكل من معنى اتخاذ المقام مصلى دون سائر المسجد، فيما رواه جابر عن صفة حجه صلى الله عليه وسلم، قال: ( .. فاستلم نبيّ الله صلى الله عليه وسلّم الحجر الأسود، ثم رمل ثلاثة ومشى أربعة، حتى إذا فرغ عمد إلى مقام إبراهيم فصلى خلفه ركعتين، ثم قرأ: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} ، وما أخرجه النسائي عن عبد الله بن عمر:(لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ طَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا ثُمَّ صَلَّى عِنْدَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّفَا مِنْ الْبَابِ الَّذِي يَخْرُجُ إِلَيْهِ فَطَافَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَة) ، فتبين من ذلك أن أداء عموم الصلاة في أركان الأرض كلها مباح وإن اختلفت درجات أجرها كما ورد به النص، أما صلاة ركعتي الطواف ففي مقام إبراهيم وجوبا أو سنة مؤكدة، على خلاف بين الفقهاء، واجبة عند المالكية والحنفية، سنة عند الشافعية والحنابلة، قال المواق في"مواهب الجليل في شرح مختصر الشيخ خليل] [1] [: (وَفِي سُنِّيَّةِ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ أَوْ وُجُوبِهِمَا تَرَدُّدٌ: ابْنُ يُونُسَ: رَكْعَتَا الطَّوَافِ الْوَاجِبِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِيهِمَا بِقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. الْقَرَافِيُّ: مِنْ شُرُوطِ الطَّوَافِ اتِّصَالُ رَكْعَتَيْنِ بِهِ. قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ: الْأَظْهَرُ وُجُوبُهُمَا فِي الطَّوَافِ الْوَاجِبِ، وَيَجِبَانِ بِالدُّخُولِ فِي التَّطَوُّعِ. وَقَالَ سَنَدٌ: لَا خِلَافَ أَنَّهُمَا لَيْسَتَا رُكْنًا وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُمَا وَاجِبَتَانِ يُجْبَرَانِ بِالدَّمِ، وَنُدِبَا كَالْإِحْرَامِ بِالْكَافِرُونَ وَالْإِخْلَاصِ) ."

(1) - مواهب الجليل في شرح مختصر الشيخ خليل، للشيخ محمد بن يوسف الأندلسي الغرناطي الشهير بالمواق 3/ 452

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت