إبراهيم فيهم، ببيان مكانة البيت الحرام من أمر دينهم ودنياهم فقال تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً وَأَمْنًا} ، إبراهيم عليه السلام إمام، والبيت مثابة وقبلة وأمن.
والمراد بالبيت في هذه الآية الكريمة بيت الله الحرام، ويشمل الكعبة والحرم المكي كله، لأنه وصفه بالأمن، وهذه صفة الحرم كله لقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا} إبراهيم 35، وقوله: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} المائدة 95, والهدي لا يذبح في الكعبة، ولا في المسجد الحرام، وإنما في ربوع مكة المكرمة.
ولفظ"مثابة"من فعل: ثاب يثوب ثوبا وثوبانا، أي رجع بعد ذهاب، يقال: ثاب فلان إلى الله وتاب، بالتاء والثاء، أي رجع إلى طاعته، والمثابة: المرجع الذي يثاب إليه ويُرْجَع مرة بعد أخرى، شوقا إليه وتعلقا به، والمعاذ الذي يعاذ بالله فيه، ويضاعف ثواب الأعمال في كنفه حجا وعمرة وصلاة وبرا.
أما كون البيت أمنا، فلأهله من تسلط الحكام والجبابرة، ولمن دخله من الخائفين والعائذين والحجاج والمعتمرين والعاكفين، وهو استجابة من الله تعالى لدعوة إبراهيم له، قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ} إبراهيم 35، وقال: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آَمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} العنكبوت 68، وقال: {أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آَمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا} القصص 57، وقال: {فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا} آل عمران 97، وقال صلى الله عليه وسلم يوم الفتح فيما رواه البخاري: (إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فَهِيَ حَرَامٌ بِحَرَامِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي وَلَمْ تَحْلِلْ لِي قَطُّ إِلَّا سَاعَةً مِنْ الدَّهْرِ لَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا وَلَا يُعْضَدُ شَوْكُهَا وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا] [1] [وَلَا تَحِلُّ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ) فَقَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ:"إِلَّا الْإِذْخِرَ] [2] [يَا رَسُولَ اللَّهِ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ لِلْقَيْنِ] [3] [وَالْبُيُوتِ"فَسَكَتَ ثُمَّ قَالَ: (إِلَّا الْإِذْخِرَ فَإِنَّهُ حَلَالٌ) .
وآية ذلك أن البيت الحرام لم يعرف في تاريخه الطويل سلطة مركزية ممثلة في ملك أو رئيس أو حاكم، لأنها مظنة الظلم والخوف والاستبداد، وعندما حاول القيصر تتويج عثمان بن الحويرث ملكا على مكة أنف أهلها أن يدينوا لملك، وصاح الأسود بن أسد بن عبد العزى على أحفل ما كانت قريش في الطواف:"يالعباد الله، ملك بتهامة!؟ ألا إن مكة حي لقاح لا تدين لملك"فقالوا:"صدق واللات والعزى ما كان بتهامة ملك"، فلم يتم مراد عثمان وفشلت مساعي القيصر.
(1) - الخلى: الرطب أو اليابس من النبات، واختلاؤه قطعه واحتشاشه.
(2) - الإذخر: حشيش طيب الريح
(3) - القين: الحداد، كل ذي صناعة يعالجها بنفسه.