فإن له علاجا ناجعا هو التعجيل بالتوبة وتصحيح العقيدة والاستغفار، قال تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} الزمر 53،
إلا أن هناك ظلما أقل درجة من الشرك الذي يتخلص منه المرء بمجرد التوبة النصوح والتوحيد الخالص؛ هذا الظلم هو ظلم العباد. وهو وإن كان أقل درجة من الشرك، فإن التوبة منه معلقة برد المظالم لأهلها، مما يجعل أمر التحلل منه أشد عسرا، لا سيما لدى من يتصدى لإمامة الناس وقيادتهم وتولي أمر دينهم ودنياهم، قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه البخاري: (مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْه)
هذا الظلم يتمثل في صور شتى، منها الظلم في الحكم والقضاء والفصل بين الناس، وظلم الأرحام والأقارب، وظلم المسلمين بعدم النصح لهم، وظلم الإنسانية بالتقصير في واجب تبليغ العقيدة أوفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كل أصناف الظلم هذه يُسأل عنها يوم القيامة ما لم تكن توبة، وكلها مانعة من الإمامة في الدنيا كما بين عز وجل لإبراهيم عليه السلام في الآية السابقة، ومهلكة في الآخرة كما قال تعالى: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ} غافر 18، وقال: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ} الصافات 22/ 23.
ولئن كانت الإمامة السوية للناس في أمر الدين تقتضي أن يكون المرء قدوة وأسوة حسنة فيه، فإنها في أمر الدنيا تقتضي أن لا يظلم الإمام الأمة باغتصاب حقها في اتخاذ قراراتها وتنفيذها ومراقبتها والمحاسبة عليها، أو باحتكاره في بطانته وأعوانه، أو بالإخلال بواجب الشورى العامة التي هي قوام أمر المسلمين. كما تقتضي أن تكون إمامته باختيار المسلمين رضية بها نفوسهم، ولذلك شدد صلى الله عليه وسلم الإنكار على مَنْ أَمّ قومًا وهم له كارهون فقال: (ثلاثة لا يقبل الله لهم صلاة: إمام قوم وهم له كارهون وامرأة باتت وزوجها عليها غضبان وأخوان متصارمان) ، وفي رواية أنس: (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة: رجل أَمّ قومًا وهم له كارهون، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، ورجل سمع"حي على الفلاح"ثم لم يجب) ، والمعنى نفسه ورد فيما أخرجه أبو داود عن عبد الله بن عمر في الثلاثة الذين لا تقبل منهم صلاة، وأولهم من تقدم قوما وهم له كارهون، وما رواه ابن ماجة عن عبد الله بن عباس، في الثلاثة الذين لا ترتفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبرًا، وأولهم رجل أَمّ قومًا وهم له كارهون، وعن عبد الله بن عمرو في الرجل يؤم القوم وهم له كارهون.
لقد بشر الله تعالى عبده إبراهيم عليه السلام، بالإمامة، واستجاب دعاءه في أن يجعلها في الصالحين من ذريته وحرمها على الظالمين، ولئن كان إمام القوم يقدمهم إلى الصراط المستقيم، وكان من الحكمة أن تُتَّخذ لهم قبلة توجههم إلى ربهم في كل زمان ومكان، رمزا لوحدة الدين والعقيدة والصف، فقد خوطب المسلمون عقب تذكيرهم بمكانة