وظلمها وخسرها، وقطع العلاقة به في الدنيا والآخرة، ومن قبل انْبَتَّتْ علاقة الأبوة بين نوح وابنه إذ انبتت روابط العقيدة، قال تعالى: {وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ} هود 45، فكان الجواب: {قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} هود 46. كما انقطعت بين إبراهيم وأبيه، قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ} الزخرف 26، وقال: {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ} التوبة 114.
إن الظُّلم لغة ضد العدل، وهو الجَوْرُ ووَضْع الشيء في غير موضِعه، ومُجاوَزَة الحدِّ، ومنه قول الرسول صلى الله عليه وسلم (هَكَذَا الْوُضُوءُ فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا أَوْ نَقَصَ فَقَدْ أَسَاءَ وَظَلَم) أي أَساءَ الأدبَ بتَرْكِه السُّنَّةَ وظَلمَ نفْسه بما أضاع من الثواب. ومنه الظلام والظلمة: سواد الليل وحلكته، ومن المجاز يقال:"يوم مظلم"أي شديد شرُّه، و"أمر مظلم"لا يُدْرَى من أين يُؤْتَى، قال الراغب في مفردات القرآن:"الظلم عند أهل اللغة وكثير من العلماء: وضع الشيء في غير موضعه المختص به؛ إما بنقصان أو بزيادة، وإما بعدول عن وقته أو مكانه، ومن هذا يقال: ظلمت الأرض: حفرتها ولم تكن موضعا للحفر، وتلك الأرض يقال لها: المظلومة، والتراب الذي يخرج منها: ظليم. والظلم يقال في مجاوزة الحق الذي يجري مجرى نقطة الدائرة، ويقال فيما يكثر وفيما يقل من التجاوز، ولهذا يستعمل في الذنب الكبير، وفي الذنب الصغير".
ولئن كان للظلم في اللغة معان متقاربة ومتداخلة، تدور حول الجور أو مجاوزة الحد أو وضع الشيء في غير موضعه، أو السواد أو التمويه؛ فإنها لا تبتعد كثيرا عن المعنى الفقهي الذي هو مجاوزة حدود الله تعالى في أي صورة من الصور، شركا أو إلحادا أو جحودا، أو إنكارا لما هو معلوم من الدين بالضرورة، أو استحلالا لما حرم الله أو تحريما لما أحل، أو بما هو دون ذلك من المعاصي والسيئات كبيرها وصغيرها، ظاهرها وباطنها، وهذا ما يؤكده قوله تعالى: {وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَه} الطلاق 1.
إن للظلم دوائر كثيرة بعضها أخص من بعض، ودرجات متباينة بعضها أخطر من بعض، وكلما كانت الدائرة أقرب إلى مجال الاعتقاد وما يرتبط به من تصورات، كان الأمر أدعى إلى الاهتمام به وبخطورة ما يترتب عليه من نتائج، وكلما كان الظلم المرتكب أكثر شمولا وأعمق تأثيرا كانت تداعياته أكثر ضررا.
الشرك بالله أكبر دوائر الظلم {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} لقمان 13، لأنه كذب شنيع وافتراء عظيم على الله عز وجل، وقلب للحقائق ووضع للأشياء في غير موضعها، وهو أصل الظلم وحقيقته، فمن أشرك بالله أو عدل به غيره أو اتخذ له ندا فقد ارتكب الظلم الأعظم وخلع ربقة الإسلام. وإذا كان أعظم الظلم للنفس هو الإشراك بالله تعالى،