فهرس الكتاب

الصفحة 256 من 523

والإمام على وزن"فِعَال"من صيغ الآلة سماعًا كالعِمَاد والنقاب والإزار والرداء، من فعل"أمَّ"القوم وأمَّ بهم إذا تقدمهم وصار لهم إماما، سواء إلى صراط مستقيم أو إلى ضلالة، قال تعالى: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} الأنبياء 73، {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ} القصص 41، وأمَّه يؤمه أمًّا: قصده وتوجه إليه.

وفي حديث ابن عمر لما ذُكِرَ لرسول الله صلى الله عليه وسلّم رجال يَنْصَبون في العبادة من أصحابه نَصَبًا شديدًا، قال: (تلك ضراوة الإِسلام وشِرَّتُه، ولكل ضراوة] [1] [شِرَّة] [2] [، ولكل شِرَّةٍ فَتْرة] [3] [فمن كانت فترته إلى الكتاب والسنّة فلِأُمّ ما هو) ، أي نِِعم ما قصد، وفي رواية: (فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك) .

والإمام كل من ائتم به القوم أو اتبعوه، رئيس القوم أمّهم، والعَلَم الذي يتبعه الجيش أمّ.

والمراد بالإمامة في هذه الآية الكريمة الرسالة والنبوة، لأنهما أكمل أنواع الإِمامة، أي: إنه تعالى جعل إبراهيم عليه السلام إماما في الدين، تلقيا للرسالة، وقياما بأحكامها، وتبليغا لها، وقدوة وأسوة فيها للناس كافة على مر الحقب والأجيال، إذ لم يُبْعَث بعده من رسول إلا كان من ذريته، مأمورا باتباعه والاقتداء به، قال تعالى مخاطبا نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} النحل 123، وخاطب المسلمين جميعا فقال: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} البقرة 125، وقال: {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْل} الحج 78، وقال: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَه} الممتحنة 4.

وكما عهد في إبراهيم من حلم وحب للخير وحرص على الدعاء لذريته به، أجاب ربه: {قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي} ، سأل أن يكون بعض من ذريته أئمة، ولم يقل ذريتي كلها، وهذا منه منتهى الحكمة والأدب مع ربه، إذ لم يسأل ما هو غير مألوف لأنه يعلم أن حكمة الله في الدنيا لم تجر بأن يكون جميع نسل المرء ممن يصلحون للإمامة. وسرعان ما استجاب الله تعالى دعوته، منبها إلى شرط أساسي فيمن ينالهم عهد الله بالإمامة تبعا لأبيهم إبراهيم {قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} .

لقد وعده الله تعالى بالإمامة، فوفى له وعهد إليه بها، ولكن هذه الإمامة حرام على الظالمين ولوكانوا من ذرية الأنبياء والمرسلين، بذلك وضعت قاعدة أزلية تُحَرِّم الظلم وتجعله مانعا أبديا من إمامة الناس في الدين والدنيا، وتُوَثِّقُ تشريعا أبديا يربط العلاقات والوشائج بالعقيدة قبل ربطها بالعرق واللون والنسب، فمن لم يتبع ملة إبراهيم فقد سفه نفسه

(1) - الضَّراوَةُ: العادة يقال ضَرِيَ الشيءُ بالشيء إذا اعْتادَه فلا يَكادُ يَصْبرُ عنه.

(2) - شِرَّةً: بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ حِرْصًا عَلَى الشَّيْءِ وَنَشَاطًا وَرَغْبَةً فِي الْخَيْرِ أَوْ الشَّرِّ.

(3) - فَتْرَةً: بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ التَّاءِ أَيْ وَهَنًا وَضَعْفًا وَسُكُونًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت