فهرس الكتاب

الصفحة 255 من 523

لقد رأى كلمة ربه في كوكب ليست له صفة الخالق فكفر بالكوكب وهو معبود قومه، ثم رآها في القمر المنير فلم يُلْفِه إلا على صفة المخلوق الفاني، والتمسها في الشمس الساطعة، فكان أفولها دليل عجزها ومخلوقيتها، وإذا بكلمات الكون المفتوح تأخذ بيده إلى خالقه وتفتح له أبواب مناجاته وتَلَقِّى وَحْيِه، فينطلق لا يلوي على شيء مما سوى ربه، داعيا إليه هاديا إلى سبيله، قال تعالى: {لَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} الأنعام 76/ 79.

من هنا كان نهوض إبراهيم يدعو قومه للتوحيد ونبذ الشرك، قياما بحق كلمات ربه في الدين والعقيدة والتبليغ، وفيا بها حقَّ الوفاء، ممتثلا لها عاملا بها وقدوة فيها، فكان لابد من كلمات أخرى اختبارا في النفس والأهل والولد تحقيقا لقوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} محمد 31، وقوله: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} العنكبوت 2/ 3،

هدده الطاغية بالتحريق فلم يبال بالنار، وأُلْقِيَ فيها فما انكسر ولا خار، ولم يستعصم إلا بالعزيز الجبار، وأُمِر بترك زوجته ورضيعها بواد غير ذي زرع فما تردد، وبذبح الولد فاستعد وأعد، وطوَّحت به الهجرة في أرجاء الأرض يذرع فضاءها ويتجرع مرارة لأوائها، وأبْلَتْهُ غربةُ آفاقٍ استضعفه الظالمون فيها فقواه ربه ونصره، ورام الطغاة بِهَا عرضَه فصانه تعالى ووفَّره ووقَّره، ولا أشدَّ من غربةِ دينٍ بين كفار، وغربة إنسانيةٍ بين همج أشرار، وغربة أسرةٍ أهلًا وولدًا بين فجار. يأبى يقينه الراسخ إلا أن يتجشم كدح الطاعة المطلقة لأوامر ربه، مضطلعا بمقارعة الشرك والكفر، مبشرا بعقيدة التوحيد، مستنيرا بهديها، ممسكا بجمرها، ناشرا لها مبشرا بها. قائما بكلماتها فرائض ونوافل وسنن فطرة، راكعا ساجدا رافعا قواعد البيت العتيق، ملبيا طائفا مؤذنا في الناس بالحج، غيرمقصر في أمر ربه أو تربية أهله وولده، أوالدعاء لعقبه وذريته هداية ورزقا وولدا.

لقد وفى عليه السلام بميثاق ربه وأتم كلماته، ونزلت الشهادة له بذلك وحيا من فوق سبع سموات، قال تعالى: {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} النجم 37، وقال: {سلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ} 109/ 111 الصافات، فنال بذلك جائزة ربه في الدنيا أبوة برة للأنبياء والمسلمين بعده، {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ} الحج 78، وجائزةً أكبرَ وأشرفَ وأعلى، أن جعله عز وجل إماما للناس بعد أن أتم كلمات ربه، قال تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} أي مُصَيِّرُك إماما للناس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت