فهرس الكتاب

الصفحة 254 من 523

النساء 125، وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم: (إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا) . واستحق بذلك الأول منهما أن يكون أبا الأنبياء الذي سمانا مسلمين، وأن يكون الأسوة والقدوة للمؤمنين كافة {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَأَىَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} الممتحنة 4، لأن له فضل السبق اهتداء وثباتا وولاء وبراء وصبرا واحتسابا، وشهد له رب العزة بذلك فقال: {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} النجم 37. وسار الثاني - محمد صلى الله عليه وسلم - على خطاه وسَمْتِه وهدْيِه، مجددا عقيدته متأسيا بوفائه وإتمامه كلمات ربه فاستحق أن يكون صاحب الرسالة الخاتمة والشفاعة المباركة والسيادة المؤزرة، كما قال عن نفسه فيما رواه مسلم: (أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّع) ، وقال عنه رب العزة: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} الأحزاب 21.

لذلك يدعو الله تعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم وأمته إلى اتباع ملة أبيهم إبراهيم عليه السلام فيقول: {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} الحج 78، كما يُعَبِّدهم حجا وصلاة ونسكا بحجه وصلاته ونسكه، ويربيهم بيقينه وثباته وصبره على حرق النار وجحيم الهجرة والغربة، ويذكرهم بمواقفه الخالدة ووفائه التام النادر العجيب، فيقول: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} ، أي اذكر يا محمد ولْتَذْكُرْ أمتك معك، كيف اختبر الله تعالى إبراهيم بكلمات البلاء توحيدا وتعبيدا ومحنا، فوفى بها إخلاصا وبراءة من الشرك وطاعة وصبرا وشكرا، كما ذكرتم من قبل كيف ابتلَى بني إسرائيل وهم من ذريته فخانوا وجحدوا وعتوا وتجبروا، فانقطعت بينهم وبينه علاقة القربى إذ انبتت وشائج العقيدة، وتلك سنة الله في الولاء والبراء.

لقد كانت كلمات الله التي اختُبِرَ بها إبراهيم عليه السلام تامة، عقيدة وعبادة وثقة في الله تعالى ومحبة، كما كانت كلماتُ ابتلاءِ صبره وشكره واحتسابه وثباته شاملةً لجميع أحواله جسدا ونفسا وأسرة ووطنا، فارتقى بوفائه أعلى مراتب الخُلَّة لربه وسُمِّيَ لذلك خليلَ الرحمن.

ولئن كان الكون كلمة مفتوحة منظورة شاهدة على أن له خالقا فردا صمدا، فإن إبراهيم كان في قومه أول من تلقاها وقرأها، فوفاها حقها فهما واسترشادا واستهداء. اقتبس منها دونهم وحي الله المنشور في كتابه المنظور وكونه المعمور، لم يكن في الأرض معه مؤمن من البشر غيره {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} النحل 120.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت