وكانت كلمته مفتاح عهد من النبوة الخاتمة الشاهدة في الدنيا والآخرة ناله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وامتدحه رب العزة به فقال: {فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} الأعراف 158.
وكانت كلمته تعالى ابتلاء ودعوة إلى وحدة البشرية في ظل التوحيد الحق الخالص الذي لايشوبه شرك {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّه} آل عمران 64.
وكانت كلمته تعالى بشرى بنصر مؤزر مقدر في ضمير الغيب لجند الله في كل عصر ومصر فقال: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} الصافات 171/ 173.
وكانت كلمته نعمة ورحمة للمؤمنين وخلودا في الجنة جزاء السمع والطاعة والامتثال {وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} ق 31/ 35.
وكانت كلمته عدلا صارما شديدا على الذين طغوا وتجبروا وعصوا واستكبروا، قال تعالى: {كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} يونس 33، وقال: {أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ} الزمر 19.
ولئن كانت كلمة الله تعالى اختبارا بالأمر والنهي، وجزاء للطاعة والامتثال، فإنها في نفس الوقت اختبار دنيوي بالمحن والشدائد، قال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِين} البقرة 155، وقال: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} الأنبياء 35، وقال: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ} الفرقان 20.
كلمة الله تعالى أمرا ونهيا، ورحمة ونقمة، واختبارا للصبر والشكر،، {وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا} التوبة 40، بها يتميز الخلق ويتفاضلون، وبها يصطفون قربا أو بعدا، يمينا أو شمالا، ضُلالا أو مهتدين يوم القيامة: {فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ} الواقعة 88/ 95.
لقد ألقيت كلمة الله تعالى على أنبيائه عليهم السلام، فكانوا أهلا لاستماعها وطاعتها والوفاء بها ولها، شهدوا بها وامتثلوا أمرها وبلغوها، وتفاضلوا فيها عند ربهم بها {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} البقرة 253، إلا أن رتبة عَلِيَّة فيهم، رتبةَ الخُلَّة، التي هي أعلى درجات المحبة وأتمها، لم ينل شرفَ تَسَنُّمِها إلا اثنان منهم هما إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام، قال تعالى: {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا}