فهرس الكتاب

الصفحة 190 من 523

ولئن كانت هذه الآيات الكريمة متعلقة باليهود الذين كتموا أمر النبي صلى الله عليه وسلم وكتموا نعته، وكفروا به، وتاجروا بدينهم واشتروا به ثمنا قليلا، فإنها تعم علماء المسلمين أيضا، خاصة منهم الذين انتسبوا للعلم ظاهرا، وعدموا الإخلاص باطنا، ممن تدعوهم نزوات الشهوة للمال والجاه واللذة فيستجيبون، وتناديهم هواتف الحق والصدق والرجولة فينكُلون ويَتَوَلَّوْن، وهم ثلاثة أصناف: علماءُ السلاطين بتزلفهم وإعانتهم للباطل على الحق، وعلماءُ الأحكام الشرعية إذ يتورطون في مجاراة أهواء المستفتين من العامة والخاصة نظير رُشىً ماديةٍ أو معنويةٍ، والقضاةُ إذا كيفوا أحكامهم بما يجاري أهواء المتقاضين خوفا أوطمعا. قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ، إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} : 159/ 160 البقرة

ويدخل تحت هذه اللعنة كل العلماء الذين يكتمون الحق أو يحرفونه، وكل فرد مسلم يعرف آية أو حديثا أو حكما ويكتمه، كما ينال الحكم (اللعنة) كل ساكت عن الحق، أو محرف له، أو كاتم له بسبب الخوف من حصول مضرة أو ضياع منفعة أو رغبة أو رهبة. وهذا المعنى أكده قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ} البقرة 174. وقوله: {وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} آل عمران 187.

قال الحسن وقتادة: هي في كل من أوتي علم شيء من الكتاب، فمن علم شيئا فليعلمه، وإياكم وكتمان العلم، فإنه هلكة. و قال محمد بن كعب: لا يحل للعالم أن يسكت على علمه ولا للجاهل أن يسكت على جهله. قال القرطبي: وهذه الآية وإن كانت خاصة ببني إسرائيل فهي تتناول من فعل فعلهم، فمن أخذ رشوة على تغيير الحق أو إبطاله أو امتنع عن تعليم ما وجب عليه أو أداء ما علمه وقد تعين عليه حتى يأخذ عليه أجرا دخل في مقتضى الآية.

وما جَرَّأَ هذه الفرقَ من بني إسرائيل على هذه المواقف، إلا ما وَقَرَ في عقيدتهم من فساد تصورهم الإيماني عن الله تعالى واليوم الآخر. لقد التبس عليهم أمرهم ونسوا أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون، وأن الحساب يوم القيامة بالقسطاس المستقيم عدلا وتناصفا، وأن التقول على الله دون علم ليس من ورائه أملُ نجاة، ولذلك عقب تعالى على هذه التصرفات المنحرفة بتشخيص الداء الذي ينخر قلوبهم وعقولهم وهو فساد التصور الإيماني لديهم، بقوله: {وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ} ، والمَسُّ كاللَّمْس، وهو اتصال جسمين على وجه إحساس أحدهما بالآخر، والمراد من النار نار الآخرة، {إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً مَعْدُودَةً} أي قليلة محصورة العدد، {قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ الله عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ الله عَهْدَهُ} أي: قل يا محمد لهم: إن اتخذتم عند الله وعدا بما تزعمون فلن يخلف وعده، وهو استفهام ينكر عليهم ما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت