فهرس الكتاب

الصفحة 189 من 523

عثمان رضي الله عنه"ما تَمَنَّيْتُ منذ أَسلمت"أَي ما كَذَبْت، والتَّمنِّي الكَذِب، لأَن الكاذب يُقدِّر في نفسه الحديث ثم يقوله. ولذلك قيل: تمنى بمعنى تَكَلَّفَ تقديرَ حصولِ شيءٍ متعذرٍ أو مُتَعَسِّر، ومنَّاه أي جعله مَانيًا أي مقدّرًا ما يحصل وما لا يحصل، كناية عن الوعد الكاذب لأنه ينقل الموعود من تقدير حصول الشيء اليومَ إلى تقدير حصوله غدًا، وأماني هذا الفريق لا تتجاوز ما لُقِّنُوه من أخبار ملفقة وأكاذيب عن الصف المسلم ونبيه صلى الله عليه وسلم، أو ما سمعوه من رهبانهم، أو قرؤوه دون فهم، أوظنوه ظنا من أن الله يعفو عنهم ويرحمهم ولا يؤاخذهم بخطاياهم، وأن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم. {وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ} أي أن كل ما لديهم من الكتاب مجرد تخيلات ومعان مختلطة لا ترقى إلى الجزم واليقين. وقوام ما تشير إليه هذه الآية الكريمة أن يهود عصر البعثة النبوية قد بلغوا من العتو والإعراض مبلغا لا مطمع معه في هدايتهم، لأن علماءهم محرفون لكتاب الله، وعوامهم حشيت عقولهم وأفئدتهم بالأكاذيب والأساطير والأوهام، وكل أمة كان شأن علمائها وعوامها على هذا النحو فقد تُوُدِّعَ منها.

ثم عقب تعالى على موقف علماء بني إسرائيل من عوامهم تضليلا وتجهيلا، وعلاقتهم بالوحي المنزل تحريفا وتزويرا وتبديلا، بحكم صارم مطلق توعدهم به فقال: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ} . وكان تعبير الآية الكريمة بالفعل المضارع {يَكْتُبُونَ} إشارة إلى وقوع هذا الفعل منهم بصفة مستمرة، ماضيا وحاضرا ومستقبلا، ولقد دأبوا على كتابة الكتب والفتاوى حسب هوى مستفتيهم من العامة، نظير رشى من أموال وهدايا، واستمر هذا حالهم على مدى التاريخ، وبلغ بهم التزوير والافتراء حدا كتبوا به في عصورهم المتأخرة ما دعوه"التلمود"، وزعموا أنه صنو للتوراة المكتوبة، أوحى به الله لموسى شفويا.

يتوعدهم الله سبحانه في هذه الآية الكريمة بالويل، وهو العذاب والخزي مطلقا، لِمَا كتبوا بأيديهم من أراجيف وأباطيل {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ... } ، ثم ينسبونه إلى الله زورا وبهتانا {ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} ، متاجرةً منهم في الدين ومحاربة لأولياء الله من الأنبياء والمرسلين وأتباعهم الصادقين، ليحصلوا على عرض دنيوي قليل مهما تكاثر وتعاظم، مالا أو رئاسة أو جاها أو لفتا للوجوه ورياء وسمعة {لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا} ، وكل ذلك لا يساوي جناح بعوضة، قياسا بما حُرِموه من نعيم الآخرة، وما ينتظرهم من العذاب لما اكتسبوه من الإثم {فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ}

روى البخاري عن عبد الله بن عباس قال: (يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ كَيْفَ تَسْأَلُونَ أَهْلَ الْكِتَابِ وَكِتَابُكُمْ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْدَثُ الْأَخْبَارِ بِاللَّهِ تَقْرَءُونَهُ لَمْ يُشَبْ، وَقَدْ حَدَّثَكُمْ اللَّهُ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ بَدَّلُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ وَغَيَّرُوا بِأَيْدِيهِمْ الْكِتَابَ فَقَالُوا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ {لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا} أَفَلَا يَنْهَاكُمْ مَا جَاءَكُمْ مِنْ الْعِلْمِ عَنْ مُسَاءَلَتِهِمْ؟ وَلَا وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا مِنْهُمْ رَجُلًا قَطُّ يَسْأَلُكُمْ عَنْ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت