يدعونه من نجاة بين يدي الله من النار، ليلجئهم إلى الاعتراف بضلالهم، أردفه بتقرير جهلهم بما عند الله من الغيب {أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} ، وقوله تعالى بعدها: {بَلَى} إبطال لقولهم: {لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً} ، أي لَتَمَسَّنَّكُم على خلاف ما زعمتموه.
ومناسبة الآية من الحديث النبوي ما رواه البخاري أن الرسول صلى الله عليه وسلم سأل يهودا حاولوا تسميمه: (مَنْ أَهْلُ النَّارِ؟ قَالُوا: نَكُونُ فِيهَا يَسِيرًا ثُمَّ تَخْلُفُونَا فِيهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اخْسَئُوا فِيهَا وَاللَّهِ لَا نَخْلُفُكُمْ فِيهَا أَبَدًا) .
ثم عقب تعالى على مزاعمهم ومزاعم كل ضال في كل زمان ومكان، بقاعدتين كليتين، هما ميزان العدل المطلق بين الناس، أولاهما قوله تعالى سندا وتفصيلا لقوله {بَلَى} : {مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} ، فمن كسب السوء في قلبه أو جوارحه، في تصوره الإيماني أو عمله، {وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ} حاصرته خطيئاته، وأحدقت به آثامه في الاعتقاد والعمل، فلم تترك له منفذا للهداية والتوبة {فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} ، وهذا منه تعالى تقرير بأن المسلم لا يخلد في النار، لأنه لا يخلو من عمل صالح، فلا تحيط به خطيئاته، وحسبه من ذلك سلامة قلبه من الكفر وسلامة لسانه من النطق به.
والقاعدة الثانية قوله تعالى: {وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} فاشترط للخلود في الجنة اقترانَ الإيمان بصفاته وشروطه المعتبرة شرعا، بالعمل الصالح تحت حاكمية الكتاب والسنة.
وهاتان القاعدتان أصلان راسخان، في الحياة الدنيا سعيا وكسبا ونشاطا، وفي الآخرة حسابا شديدا ودعوة ثبور وخسران، أو حسابا يسيرا وانقلابا إلى الجنة سرورا لا تشوبه الأحزان {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا} الكهف 107/ 108.