وسلم أو يوهن عزيمته، لأنه على الحق، واليهود الذين أعمى الحسد والحقد بصائرهم لن يشهدوا له بذلك على رغم ما رأوا من البراهين والآيات، ولكن تكفيه صلى الله عليه وسلم شهادة الله تعالى له:
{لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ} لكن الله يشهد للرسول صلى الله عليه وسلم بصدقه في تبليغ ما أرسل به من الوحي بدون تبديل أو تغيير أو كتمان {أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ} أي كان نزول الوحي في جميع مراحله بعلم الله وتقديره، تلقيا له من قبل الملَك الكريم جبريل عليه السلام، ونزولا به إلى السماء الدنيا، وتبليغا له إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وعلما بمن يؤمن به ومن يكفر {وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ} لأن منهم من تلقاه وبلغه، ومنهم من يكتب أعمال الناس به أو مخالفتهم له، وهم رسله عز وجل ومنفذو أوامره، كل خطوات النزول ومراحله محفوظة ومرصودة ومحمية من التبديل والتغيير، قال تعالى: {إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا} الجن 27/ 28.
وفي شهادة الله للرسول صلى الله عليه وسلم ما يكفي للتسرية عنه وتخفيف ما يلقاه من عنت التبليغ ومحن التكذيب والجدال بالباطل: {وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} كفى بشهادة الله وحده على أدائه الأمانة وتبليغه الرسالة وصبره ومصابرته وجهاده، شهادته تعالى وحده تغنيه عن شهادة الملائكة وغيرهم.
إن شهادة الله تعالى هي الحق، وماذا بعد الحق إلا الضلال، وماذا بعد الضلال إلا النار، لذلك ورد التهديد الشديد عقب ذلك لمن يكفر بقوله عز وجل:
{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا} والكفر والصد عن الإيمان بأي وسيلة مادية أو معنوية صفات عامة في المشركين وأهل الكتاب زمن البعثة النبوية وما قبلها وما بعدها إلى عصرنا هذا وما بعده، ما دام الصراع بين الحق والباطل في الأرض قائما، إلا أنها ألصق باليهود من غيرهم في الفترة المدنية من الدعوة الإسلامية، ولا شك أن أشد الناس ضلالا وبعدا عن الهداية مُبْطِل يحمل الناس على باطله، وكافر يصدهم عن الإيمان، وهو بذلك قد خرج عن جادة الصواب، وأخطأ طريق السعادة في الدنيا والآخرة، وابتعد كثيرا عن الهداية والتوبة.
ثم عادت الآية الكريمة لوصفهم بالظلم بعد الكفر معا بقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا} ظلموا أنفسهم بالشرك، والشرك ظلم عظيم، وظلموا غيرهم فصدوهم عن الإيمان وشككوهم في النبوة والوحي وصرفوهم عن الهدى {لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} ليس لهم طريق يسلكونها إلا طريق جهنم خالدين فيها أبدا، لأنهم جمعوا شر الاعتقاد وشر العمل، كفرا وجحودا وصدا عن الإيمان وظلما للنفس وللعباد، وليس من سنة الله إلا