إن كلام المتصوفة عن الفرق والجمع والفناء وما جاورها كثير، ولا يسعفنا المقام إن أردنا أن نسوق نصوصهم كما فعلنا مع وحدة الوجود، لكن أسوق هنا كلاما لحجتهم الغزالي، ليكون حجة غدا يوم القيامة، على من لا زال يعتبر هذا التصوف من الإسلام. يقول:"والثالثة أن يشاهد ذلك بطريق الكشف بواسطة نور الحق، وهو مقام المقربين، وذلك بأن يرى أشياء كثيرة ولكن يراها على كثرتها صادرة عن الواحد القهار، والرابعة، أن لا يرى في الوجود إلا واحدا، وهي مشاهدة الصديقين، وتسميه الصوفية"الفناء في التوحيد".... والثالث موحد بمعنى أنه لم يشاهد إلا فاعلا واحدا، إذا انكشف له الحق كما هو عليه، ولا يرى فاعلا بالحقيقة إلا واحدا وقد انكشفت له الحقيقة كما هي عليه، لا أنه كلف قلبه أن يعقد على مفهوم لفظ الحقيقة، فإن تلك رتبة العوام والمتكلمين ... والرابع موحد بمعنى أنه لم يحضر في شهوده غير الواحد، فلا يرى الكل من حيث أنه كثير بل من حيث إنه واحد، وهذه هي الغاية القصوى في التوحيد ... فإن قلت كيف يتصور أن لا يشاهد إلا واحدا، وهو يشاهد السماء والأرض، وسائر الأجسام المحسوسة، وهي كثيرة، فكيف يكون الكثير واحدا، فاعلم أن غاية علوم المكاشفات وهو أن الشيء قد يكون كثيرا بنوع مشاهدة واعتبار، ويكون واحدا بنوع آخر من المشاهدة والاعتبار، وهذا كما أن الإنسان كثير إن التفت إلى روحه وجسده وأطرافه وعروقه وعظامه وأحشائه، وهو باعتبار آخر ومشاهدة أخرى واحد. إذ نقول إنه إنسان واحد (انظروا كيف يشرح حجة الإسلام ويفسر هذه العقيدة ويبررها) والفرق بينهما أنه في حالة الاستغراق والاستهتار به مستغرق بواحد ليس فيه تفريق، وكأنه في عين"الجمع"والملتفت إلى الكثرة في تفرقة (وهي نفس عبارات كبار المتصوفة) فكذلك كل ما في الوجود من الخالق والمخلوق له اعتبارات ومشاهدات كثيرة مختلفة، فهو باعتبار واحد من الاعتبارات واحد، وباعتبارات أخرى سواه كثير. وهذه المشاهدة التي لا يظهر فيها إلا الواحد الحق، تارة تدوم، وتارة تطرأ كالبرق الخاطف، وهو الأكثر والدوام نادر عزيز [1] ."
وفي الصفحة 276 و 277 من نفس الجزء يقول بعد أن تحدث عن صفة صاحب الجمع أي الذي يعتقد بوحدة الوجود:"فهذا الذي يقال فيه إنه فني في التوحيد وفني عن نفسه"وإليه الإشارة بقول من قال:"كنا بنا ففنينا عنا فبقينا بلا نحن ... ولذلك قيل:"
لقد ظهرتَ فلا تخفى على أحد إلا على أكمه لا يعرف القمرا
لكن بطنتَ بما أظهرت محتجبا فكيف يُعرف من بالعرف قد سُيرا.
وليس بعد هذا الوضوح وضوح، وليس بعد هذه الصراحة صراحة، وهو وضوح وصراحة وتصريح بوحدة الوجود من الغزالي في كل كتبه وخاصة الأحياء، ويسمى هذه الوحدة"التوحيد"
(1) - الإحياء الجزء الرابع ص 212 و 213