وأسلوبها الأممي التاريخي القديم الحديث هو أن يميت السالك إحساساته وأعصابه بإرهاقها إرهاقا شديدا بإخضاع نفسه للرياضة، وهي كما يقول الغزالي الخلوة والصمت والجوع والسهر. وقد يضاف إليها شيء من التعذيب الجسدي. أو أخذ وضع من أوضاع"اليوغا"ويداوم السالك على هذه الحال، واضعا أمامه غاية واحدة حتى يصل إليها.
عودة الآن إلى التصوف السني و إلى مهندسي المرحلة الانتقالية، ولا أقول التأسيسية لأن هؤلاء المهندسين حافظوا على أغلب ما هو موجود في الطريقة الإشراقية والفلسفات والديانات الوثنية، ونقلوه بسلاسة إلى المسلمين، وكان أول من تولى ذلك أبو القاسم الجنيد البغدادي [1] . والذي جمع كل تلك العناصر ومزجها مزجا تاما بالتصوف وهو أول من صاغ المعاني الصوفية وكان يعلم التصوف في بيوت خاصة، وفي السراديب وكانت تجربته ناجحة، وسار المتصوفة على خطاها. وهذه التجربة مضاف إليها تحبيره مصطلحات الصوفية. وإيجاده أسلوب العبارة الصوفية بإشاراتها ورموزها وألغازها. كل هذا جعل منه سيد الطائفة بلا منازع لأنه رسم لهم الطريق التي يسيرون فيها بأمان، ويستطيعون بواسطتها نشر عقيدتهم الإشراقية في المجتمعات الإسلامية من دون ضجة. ومن أبرز من أصل طريقة الجنيد بعده، هو أبو طالب المكي في كتابه"قوت القلوب"الذي بدأه بعرض بعض آيات القرآن الكريم، انتقاها بحيث يمكن أن يكون لها بعد لي عنقها علاقة بالتصوف، وجاء بشيء من الأحاديث في الأوراد والأذكار وغيرها، ثم دخل في علم الباطن وأتبعه بفقه العبادات، وحشا ذلك كله بما يستهوي قلب القارئ نحو التصوف. ثم جاء من بعده حجة المتصوفة، أبو حامد الغزالي، فألف في الفقه على مذهب الشافعي، وألف في علم الأصول، ومواضيع أخرى. ثم وضع عشرات الكتب (وهذا مربط الفرس) ، في ما سماه"العلم المضنون به على غيرأهله"وفي قمتها كتابه المشهور"إحياء علوم الدين". وقد رد عليه البعض بقولهم"إحياء علوم دينه"ولو أنصف لسماه"إعياء علوم الدين"أو إحياء علوم الكهانة"وقسم كبير من"إحيائه " نصوص منقولة حرفيا من"قوت القلوب"للمكي، و"اللمع"لأبي نصر عبد الله بن علي السراج الطوسي. وحشا الغزالي مؤلفه هذا بكثير من أفكار ومن فلسفات إخوان الصفا، وبأفكار من علم الكلام، وبمجموعة وافرة من المعلومات الخرافية. والإسرائيليات والأحاديث المكذوبة أوالموضوعة، دون الكلام عن الضعيفة. واستعمل كل ذلك بمهارة ولباقة، واستطاع بهذه الأساليب أن يمزج التصوف بالإسلام ويجعل الآخرين يعتقدون أنهما شيء واحد."
وتبعه مثقفو المتصوفة على هذا النهج، وشيئا فشيئا، فشا هذا في الأمة إلا من رحم ربي. وشيئا فشيئا أصبح الإشراق، وعلم الكلام، آلة لاستنباط العقائد والعبادات في الإسلام. وشيئا فشيئا أصبح التصوف قمة الإسلام، وسماه بعضهم باسم"الإحسان"ولهذا السبب أطلق على الغزالي لقب"حجة"
(1) - توفي سنة 297 هـ