الأولى: أنهم يعتبرون ما يقومون به من بدع ومنكرات، أسمى المطالب وأوجب الواجبات، وبالتالي فعملهم أولى من أي عمل آخر، وهم في هذه الحالة إن دخلت الأمة في صراع ودفع للعدو، فهم يتفرجون وربما يثبطون. طالما أن العدو تركهم ولم يتعرض لهم.
الثانية: إذا ما استمال العدو شيوخهم وأثر فيهم، فسيكونون عصاه ومخلبه، فيحركهم العدو بيد شيخهم من وراء الستار.
والتاريخ يسجل أن المتصوفة خلال الصراعات المريرة التي خاضتها الأمة، كانو إما متفرجون، أو خونة عملاء متعاونون مع العدو، وقليلة هي الحالات التي وقفوا الى جانب الأمة، وكل تلك المواقف خاضعة لشخصية القائد والشيخ، فإما أنه يفهم من الدين الذي يعتنقه العزلة وذكر الله فينأى بنفسه عن المشاكل وواقع الناس، أو أنه خسيس مجرم مستعد لبيع دينه وآخرته فهو عبد لشهواته، أو أنه مخلص في اعتقاده، فيه بقية من رجولة وأنفة، والأتباع في كل ذلك لا يناقشون ولايستفسرون بله يعترضون، فهم على دين شيخهم، إن خان يخونون وإن تفرج يتفرجون وإن قاتل يقاتلون.
ومر معنا في الصفحات السابقة ما عاشته الأمة من محن على يد التتار والمغول، وأيضا على يد الصليبيين، وخلال كل الأزمات لم يحرك المتصوفة الساكن.
في مقاله بمجلة البيان، بعنوان الاستغلال السياسي لبدعة المولد النبوي، تحدث رأفت صلاح الدين، عن بدعة الاحتفال هذه ووضعها في إطارها السياسي، ثم تحدث عن كرونولوجيا الاستغلال السياسي لهذه البدعة، بدءا بالعبيديين حيث إنهم أول من اخترع هذا العيد سنة 361 هـ لاستمالة قلوب الناس وكسب تعاطفهم، وتثبيت دعائم حكمهم،"وهو نفس ما قاله عدد من الباحثين كالدكتور فاروق أحمد مصطفى، والباحث عبد الغني النبوي الشال، والأستاذ جمال بدوي، حيث تحدثوا عن استغلال الموالد في مصر لنشر الدعوة الفاطمية، وإلهاء الشعب وإبعاده عن مراقبة ومحاسبة الحكام" [1] ، وقد ظلت هذه الاحتفالات حبيسة مصر وبعض مناطق الشام، إلى أوائل القرن السابع حيث نقلها شيخ صوفي هو عمر بن محمد الملا، إلى العراق وأقنع بها ملك إربل آنذاك، فرأى فيها هذا الأخير طريقة غير مكلفة لتثبيت دعائم ملكه، لتنتشر بعد ذلك في العالم الإسلامي كله، ثم ليأتي العثمانيون بعد ذلك لإكمال ما تبقى، فقد كان جل خلفاء بني عثمان متصوفة، وكانوا يستمدون مشروعيتهم من هذا التصوف، فبالغوا في إحياء بدع المتصوفة ونشرها، وعلى رأسها الاحتفالات بالمولد النبوي، حيث أصبح في عهدهم من أعظم الواجبات التي لا يجوز التهاون فيها، الغريب أن هذه الدولة التي قامت على أيدي المتصوفة سقطت بخيانتهم وعمالتهم للكماليين.
(1) - أنظر مجلة البيان عدد 257، موالد مصر بين الجهل والاستغلال، لعمرو توفيق، ص 44.