ليس النقل والترجمة شكلًا من أشكال الاستغراب الواضح والمباشر، ولكنها تسهم - دون شك - في تلقي الأفكار، ثم معرفتها من خلال ما ينقل من نتاج القوم العلمي والأدبي والفني، وهي أيضًا من المشجعات على قيام تفاهم وحوار وتواصل ثقافي مع الآخرين - كما يقول محمد القيعي - [1] ، وأخذ الحكمة منهم، على اعتبار أن الحكمة ضالة المؤمن، أنَّى وجدها فهو أولى بها [2] ، وربما تعد مراكز الترجمة القديمة إبان ازدهار الحضارة الإسلامية، مثل بيوت الحكمة في بغداد ودمشق والقاهرة والأندلس، هي من نواة الدراسات الاستغرابية [3] .
ليس الاستغراب (Occidentalism) ، أو الغربلوجيا (Westernolo-gy) هو التعامل مع الآخر بالمنطلق نفسه الذي تعامل به معظم المستشرقين والغربيين عمومًا مع المسلمين وعلوم المسلمين وثقافتهم وعاداتهم وآدابهم؛ ذلك أن عقيدة المسلمين نفسها ومنهجهم في النظر إلى الأمور تمنع من ذلك ولا تبيحه، يقال هذا ردًّا على من قال ذلك؛ إذ إننا مطالبون بالعدل مع الآخرين، حتى أولئك الذين بيننا وبينهم عداوة، أو شنآن.
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة: 8] .
يقول كرم خلة في تعبير آخر:"لدينا وجهة نظر إنسانية، نحن لا نملك هذا التفكير العنصري الموجود في الغرب، العنصرية - في رأيي - مرتبطة بالإمبريالية، مرتبطة بالنظرة من أعلى إلى أسفل ... الباحث الغربي عندما يدرس مصر أو السعودية فإنه يشعر أنه أمام مجتمع بدائي،"
(1) انظر: محمود القيعي. الترجمة تشجع على التفاهم. ص 263 - 273. في: أحمد الشيخ. من نقد الاستشراق إلى نقد الاستغراب: المثقفون العرب والغرب. مرجع سابق. ص 319. وانظر أيضًا: (الحوار الثقافي من خلال الترجمة. ص 92 - 99) . في: أمحمد جبرون. تجربة الحوار الثقافي مع الغرب: قراءة تقويمية ونموذج مقترح. بيروت: مركز نما للبحوث والدراسات، 1435 هـ (2014 م) . ص 158. (سلسلة دراسات في الحالة الإسلامية. 1) .
(2) قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وإبراهيم بن الفل المخزومي يضعف في الحديث من قبل حفظه، وحكم الألباني على الحديث بأنه ضعيف جدًّا، ورواه ابن حبان في الضعفاء عن أبي هريرة، ولفظه: (( الكلمة الحكمة ضالة المؤمن، حيث وجدها جذبها ) )، وهذا الحديث وإن لم يثبت مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإن معناه صحيح؛ وذلك أن المؤمن لا يزال طالبًا للحق، حريصًا عليه، ولا يمنعه عن الأخذ به حيث لاح وجهه شيء، فكل من قال بالصواب أو تكلم بالحق قُبِل قوله، وإن كان بعيدًا بغيضًا، وقد قال تعالى: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8] ، وانظر:).
(3) انظر: أنور لوقا. أنا مستغرب بدون استغراب. ص 211 - 218. في: أحمد الشيخ. من نقد الاستشراق إلى نقد الاستغراب: المثقفون العرب والغرب. مرجع سابق. ص 319.