الصفحة 34 من 65

وتلازمت المثاقفة المعكوسة من خلال انتشارها وتوكيدها على المكانة الحضارية للثقافة العربية الإسلامية في تراث الإنسانية، مع جهود الاستغراب الناجمة عنها والمستندة إليها في الوقت نفسه، ويذكر في هذا المجال نموذجان للمثاقفة المعكوسة، الأول: المؤثرات العربية والإسلامية في أدب بوشكين في كتابي مؤثرات عربية وإسلامية في الأدب الروسي (1992 م) لمكارم الغمري وبوشكين والقرآن: دراسة في الأدب المقارن (2001 م) لمالك صقور، والثاني: المؤثرات الأدبية العربية على قصص بورخيس مثالًا حيًّا للمثاقفة المعكوسة.

ومن هذا المنطلق فإن الاستغراب يدرس كذلك الدين السائد في الغرب، وهو هنا النصرانية أولًا، ثم اليهودية، ويأتي الإسلام ليطغى - من حيث العدد - على اليهودية، ثم النصرانية بعدئذ؛ إذ المتوقع أن يكون الإسلام بحلول عام 1445 ه (2025 م) هو الدين الأول في أوروبا، ولعله من الآن أضحى الدين الأول - كما صرح الفاتيكان بذلك - في سنة 1434 ه (2013 م) ، ولعل مقصود الفاتيكان بذا أن المسلمين يفوقون اليوم الكاثوليك في الغرب الأوسط، أو أوروبا الغربية من حيث العدد، على اعتبار أن الكاثوليك لا يرون معنى لظهور البروتستانتية على يد القسيس الألماني مارتن لوثر (1483 - 1546 م) ، محتجة على تعاليم الكاثوليكية الصارمة في عدم الخروج للحياة (العلمانية) ، وعلى صكوك الغفران وسلطة الباب، فلا يدخلونها في إحصائياتهم، ولسنا بحاجة إلى الاستغراب في دراسة الإسلام!

ولا تعني دراسة هذه الأديان، أو الدينين بتعبير أدق، أن نترك نظرتنا نحن المسلمين لهما، من خلال ما نراه في كتاب الله تعالى وسنة رسوله، بل إنهما يكونان منطلقًا (مقياسًا) مهمًّا من منطلقات الدراسة، التي لم يكن الفكر الإسلامي خلوًا منها، وإن لم تنهض التسمية مصطلحًا لهذه الدراسات [1] .

على أن هناك أمورًا لها دلالات في الكتاب الكريم والسنة النبوية، يمكن الانطلاق منها في الدراسات، وحيث إنها من حيث تفسيرها تدخل في جانب التحليل بعد اليقين بالكتاب والسنة، وعليه فإن هناك مجالًا رحبًا للدراسة، ويدخل في ذلك الإطلاق لأتباع عيسى ابن مريم - عليهما السلام - من حيث التسمية، فهل هم نصارى أم هم مسيحيون؟ وهل يحبذون اليوم تسميتهم

(1) انظر: علي بن عبدالرحمن الدعيج. (الاستغراب) وإمكانية تدريسه في الجامعات السعودية. الجزيرة الثقافية. ع 117 (12/ 6/ 1426 هـ - 1/ 8/ 2005 م) . ص 14.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت