بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، محمد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
ففي سنة 1417 ه/ 1997 م شاركت في حلقة نقاش حول الطباعة العربية في أوروبا في مركز جمعة الماجد بدبي بالإمارات العربية المتحدة، وكان موضوعي عن إسهام المستشرقين في نشر التراث، فتقدم أحد الحضور ليسأل: لماذا لا نعامل المستشرقين بمثل ما يعاملوننا به؟ فنسعى إلى نقد الغرب بأديانه وآدابه وتقاليده وعاداته.
فبدأ ذاك السؤال يجد حيزًا في الفكر منذ ذلك الحين، وربما جاء الوقت الذي يسهم فيه الباحث بقدر من الطرح الموضوعي حول مفهوم الاستغراب (Occidentalism) برؤية إسلامية مؤصلة، لا تقوم على ردود الأفعال وتغليب العاطفة والتحيز لطرف دون آخر، بل تهتدي بالرؤية الإسلامية المؤصلة في التعامل مع الأحداث والأشخاص القائمة على العدل والقسط.
وهذه الوقفات الآتية هي بداية لمحاولة تجلية هذا المفهوم الجديد في لفظته (الاستغراب) على الثقافة العربية، وهو مفهوم قديم في محتواه وطرقه، فهو غير جديد؛ إذ إنه ذو علاقة بما بين الشرق الإسلامي من جهة والغرب المسيحي اليهودي أو العلماني من جهة أخرى، بما مر على هذه العلاقة من مد وجزر في وجوه التلاقي الكثيرة، وأوجه الاختلاف القليلة.
هي وقفات أولية سبق التعرض لها في وقفات سابقة متفرقة ضمن موضوعات ذات علاقة كالاستشراق والشرق والغرب، وتعرض هنا على ذوي الأفهام والعقول؛ ليسهموا في بلورتها وصقلها، ومن ثم الخروج برؤية واضحة حول المفهوم؛ بما يعين على جعله عنصرًا من عناصر التلاقي والتعارف والتعاون والتخالف والتعايش بين الأمم، على اعتبار أن هذه المفهومات هي من أسرار الوجود في هذا الكون، الذي أراد الله تعالى لخلقه فيه أن يعمروه ويُستَخْلفوا عليه، وينشروا فيه روح السماحة والعدل والقسط بين المخلوقات العاقلة وغير العاقلة، المتحركة والثابتة، بدلًا من الاستمرار في التناحر والتصادم والتعادي المفتعلة من قبل عناصر مهمتها قطع الطريق على منهج التلاقي، والرغبة في استمرار التشاحن والتعادي، لأغراض ليست بالضرورة إنسانية، بل هي مصالح ضيقة وإحن وشحناء تغلي في الصدور.