نحن ندرس طبيعة المسيح عيسى ابن مريم - عليهما السلام - من منطلق أنه بشر مخلوق مولود بمعجزة - كما سيأتي - قال تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} [آل عمران: 59، 60] ، ولا ندخل في نقاش طبيعته عليه السلام، من حيث لاهوتيته أو ناسوتيته، فهذا الأمر محسوم عندنا، من مقتضيات عقدية لا تؤمن بأن لله تعالى صاحبة ولا ولدًا، وأن المسيح هو في حقيقته إنسان يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، وعبد من عبيد الله، ورسول من رسله، آتاه الله تعالى الحكمة، وجعله نبيًّا، وجعله مباركًا أينما كان، وأنه عليه السلام من أولي العزم من الرسل؛ قال تعالى: {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا * وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا} [مريم: 30 - 33] ، وقال تعالى: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ} [الأحقاف: 35] .
وتأتي الوقفات مع هذا الموضوع الحيوي لدى غالبية المجتمع الغربي، المتدين منه وغير المتدين، فيما له علاقة بمناقشة أولئك الذين يراوحون في طبيعة المسيح عيسى ابن مريم - عليهما السلام - بين الناسوتية واللاهوتية من قبل النساطرة واليعاقبة، وغيرهم من أتباع الكنائس، ومن لا يزال هذا الموضوع يشغل نقاشهم، ويزيد من اختلافهم وفرقتهم بينهم، فالخلاف في طبيعة المسيح عليه السلام خلاف محتدم، ليس بين المسلمين والنصارى، بل بين النصارى أنفسهم [1] .
وعليه وبما أن المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام رسول بشر يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا} [الفرقان: 20] ، فتنتفي مسألة أنه ابن الله تعالى أو أنه ثالث ثلاثة، وهذه حقيقة لا يزال النصارى يتحاورون حولها، رغم أنها محسومة عند المسلمين، فبشرية المسيح عيسى ابن مريم تنفي أن يكون شريكًا لله، أو أن يلجأ المصرون على ألوهيته إلى القول: إنه - عليه السلام - ابن الله، أو إنه ثالث ثلاثة [2] .
(1) انظر: أحمد ديدات. المسيح في الإسلام: الخلاف المحتدم حول الاعتقاد بألوهية المسيح/ ترجمة مجدي محمد عبدالرحمن. القاهرة: دار الاعتصام. 1991 م. ص 128.
(2) انظر: محمد وصفي. المسيح والتثليث/ تقديم محمد عبدالله السمان، مراجعة علي الجوهري. القاهرة: دار الفضيلة، 1423 هـ (2003 م) . ص 203.