الصفحة 52 من 65

ويمكن أن نختم هذه الوقفات باقتباس لسميح فرسون يجيب فيه عن سؤال طرحه أحمد الشيخ عمن يمكنه تأسيس ثقافة الاستغراب والانطلاق بها نحو الأهداف المرجوة منها، حيث يجيب:"دراسة الغرب ينبغي ألا تترك للصدفة أو تتم عشوائيًّا، بل لا بد أن تكون قرارًا واعيًا ومقصودًا من قبل الدول العربية ... ويجب أن يشمل هذا القرار إنشاء وتجهيز مراكز ومعاهد ومكتبات للدراسات الغربية، وأن يتم تكوين جيل جديد من المستغربين العرب؛ كي يساهموا في دراسة المجتمعات والتاريخ والثقافات الغربية، لقد حان الوقت لذلك" [1] .

وهو الأمر نفسه الذي يحاول كل من أحمد الشيخ ومازن مطبقاني القيام به بجهود ذاتية تفتقر إلى الدعم المباشر من ذوي الشأن في البلاد العربية والإسلامية والمراكز الأخرى المعنية بهذا الشأن، بعد أن يتوافر عنصرا الاقتناع والإرادة لدى ذوي الشأن، فيبذلون في سبيل الوصول إلى رؤية واضحة في التعامل مع الشأن الغربي من منطلقات علمية (أكاديمية) بحثية موضوعية، لا تغفل عامل الانتماء ولا تدعي الحياد العلمي البحت، وهي في الوقت ذاته لا تتجنى على ثقافات الآخرين، ولا تعتذر لهم، ولا تسوغ لما أسهموا به من عوامل توسيع الفجوات بين الثقافات.

مع هذه الجهود في التعرف على مفهوم جديد في لفظه قديم في منطلقه، لم ينَلْ هذا المصطلح الاستغراب العناية التي يستحقها، وظل جانب معرفة الآخر قاصرًا لدى جمع من المثقفين، الذين يرغبون في توسيع آفاقهم، وفتح مجالات للحوار بين الثقافات.

عند الدخول في تحليل هذا الفهم، فإنه يقود إلى نواة الاستغراب التي يدعو إليها بعض العرب والمسلمين [2] ، كما يدعو إليها بعض المستشرقين، ومنهم المستعربون، والمهتمون بالحضارة العربية والثقافة الإسلامية من غير المستشرقين.

وهناك من يدعو إلى اتباع أسلوب الاستغراب، من منطلق أن نعامل أولئك القوم بمثل ما يعاملوننا به، وهذا وإن صدق في الأعراف الدبلوماسية ونحوها، من منطلق المعاملة بالمثل، فإنه لا يصدق بحال في مجال النظرة إلى القوم من منطلق دينهم وأنبيائهم ورسلهم؛ ذلك أنه من تمام

(1) انظر: سميح فرسون. الاستغراب نقد للغرب. ص 143 - 167. في: أحمد الشيخ من نقد الاستشراق إلى نقد الاستغراب: المثقفون العرب والغرب. مرجع سابق. ص 319.

(2) انظر: حسن حنفي. مقدمة في علم الاستغراب. مرجع سابق. ص 910.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت