الصفحة 4 من 65

التشاحن والتعادي السائد الآن في القطبين الشرق والغرب له أسبابه، وبعض هذه الأسباب مفتعل، فرضته السياسة التي تقوم على مبدأ الهيمنة الاحتلالية (Homogeny) ، والرغبة في التبعية السياسية من الشرقيين للغرب، بأي صورة من صور التبعية السياسية والاقتصادية، حتى لم تسلم منها الثقافة، رغم رفع شعار مصطلح الاستثناء الثقافي بين الغربيين أنفسهم، أو مصطلح الحدود بين الثقافات، وليس القطيعة الثقافية التامة التي ربما يدعو إليها من طغى عندهم الحماس الانتمائي بروح دفاعية متوجسة من أن تدنس الثقافات الأخرى ثقافتنا النقية الخالصة، وهي كذلك دون إغفال التماس الحكمة أينما كانت.

تثبت هذه المواقف مع الزمن أن الموقف من الاستغراب لم يتحدد بعد، تمامًا كما الموقف من الاستشراق الذي لا يظهر أنه سيتحدد، بما في ذلك اضطراب المصطلحين واختلاط مفهوماتها بين المفكرين، ناهيك عن غير المثقفين، وكونهما أصبحا مصطلحين مشحونين بشحنات إيديولوجية تجعلهما موضع اشتباه في كلا الضفتين؛ الغربية والشرقية [1] .

ويتبع هذا أن موقف النخبة المثقفة من الغربيين لم يتحدد من الشرق، تمامًا كما موقف النخبة من الشرقيين الذين انقسموا في مواقفهم من الغرب انقسامات عاطفية أكثر من كونها انقسامات فكرية أو علمية، وهذا أثر بوضوح على الزعم بوجود حياد علمي في جو من الصراعات الفكرية التي ربما يستنتج المتابع منها أنها صراعات مفتعلة، تحركها قوى غير موضوعية البتة، هذا إذا كان هناك أي فكر يتبنى الحياد العلمي [2] .

وسوف يعكس النقاش الآتي هذه الحال من الاضطراب في المواقف؛ بسبب الاضطراب في المفهومات، ومن خلال استعراض رؤى وآراء بعض المفكرين الغربيين من المستشرقين وبعض الشرقيين من العرب والمسلمين، ومن ذلك تلك الحوارات التي أجراها أحمد الشيخ معهم في كتابين مستقلين، وسيأتي التعرض لهما في ثنايا هذا البحث، وسيعتمد النقاش على ما ورد فيهما من حوارات بقدر كبير، بالإضافة إلى ما استجد على الساحة العلمية والفكرية ومن نقاش حول مفهوم الاستغراب والرؤى حوله.

(1) انظر المناقشات المستفيضة حول مفهوم الاستغراب، ونظرة العرب والمسلمين لهذا المفهوم. في: أحمد الشيخ. من نقد الاستشراق إلى نقد الاستغراب: المثقفون العرب والغرب. المرجع السابق. ص 319.

(2) انظر: كرم خلة. حذار من المركزية الشرقية. ص 155 - 167. في: أحمد الشيخ. من نقد الاستشراق إلى نقد الاستغراب: المثقفون العرب والغرب. المرجع السابق. ص 319.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت