فيئون النصراني:"رحم الله عبدالله بن سعيد بن كلاب القطان المصري (توفي قبل سنة 240 ه) ، كان يجيئني إلى البيعة وأخذ عني، ولو عاش لنصَّرنا المسلمين" [1] .
ولم ينل هذا المصطلح (الاستغراب) العناية التي يستحقها، وظل جانب معرفة الأمم الأخرى قاصرًا إلا على جمع من المثقفين، الذين يرغبون في توسيع آفاقهم، وفتح مجالات للحوار بين الثقافات، مما أدى عند بعضهم إلى أن ينقلب السحر عندهم على الساحر، فيسمون سفراء للثقافة الغربية، ممتهنين للتسويق لها في المحافل الفكرية، بدلًا من أن يكونوا خبراء فيها يبينون ما فيها من حق وما فيها من خلاف ذلك، فأطلق على هذه الفئة مصطلح التغريبيين westernizers، والمفهوم الذي تتولاه هذه الفئة يدعى التغريب (westernization) .
وتغلِب على هذا التأثر النظرة العاطفية القائمة على رد فعل ذاتي وسريع، وقد تكون ناقمة على سلوكيات اجتماعية محلية ملفوظة ومرفوضة، وإن تمسحت بمسوح الدين، وهي لست بالضرورة من الدين، وإن كانت من الدين فقط تكون إلى التشديد أقرب، والإمام سفيان الثوري (97 - 161 هـ) يقول: إنما العلم عندنا الرخصةُ من ثقة، فأما التشديد فيحسنه كل أحد [2] ، وقد يكون رد الفعل بهذه الصفة من منطلقات فكرية أخرى أو سياسية، فيكون رد الفعل الذاتي والآني عكسيًّا ناقمًا على المجتمع بمُثله ومبادئه، بدلًا من أن يكون هؤلاء التغريبيون منافحين عن ثقافتهم بمنطلق من الاعتدال والسماحة والمنهج الوسط، من وجهة انتمائية تصبر وتسعى إلى إحداث تغيير نحو الأفضل، وإن طال الزمن.
الجوانب الأخرى للاستغراب - إذا سمح المصطلح - تمثلت في نقل معطيات الحضارات الأخرى، وعلمها وفكرها المتماشي مع أحكام الإسلام، وذلك عن طريق النقل والترجمة عن اللغات الأخرى، بعد صقل هذه المعطيات وأخذ النافع منها، لا للمسلمين والمحيط الإسلامي فحسب، بل للإنسانية جمعاء، بما في ذلك ترجمة (تعريب) أعمال دواوين الخلافة (دواوين الإنشاء) ، عندما تبين أن الإجراءات الإدارية - بما فيها اللغة والصياغة - قد نقلت من ذوي التجارب السابقة [3] .
(1) انظر: الذهبي. سير أعلام النبلاء/ أشرف على تحقيق الكتاب وخرج أحاديثه شعيب الأرناؤوط، وحققه جمع من المحققين العرب. ط 2. - بيروت: مؤسسة الرسالة. 1402 هـ (1982 م) . 11: 174 - 176، ترجمة 76.
(2) انظر: يوسف بن عبدالبر (توفي سنة 463 هـ) . جامع بيان العلم وفضله. 2 مج. الدمام: دار ابن الجوزي، 1414 هـ (14949 م) . 2: 784. برقم 1467، وإسناده حسن.
(3) انظر: علي بن إبراهيم النملة. التواصل الحضاري بين الأمم في ضوء تناقل العلوم والآداب والفنون. الرياض: الجمعية السعودية للتاريخ والحضارة، 1436 هـ (2015 م) . ص 248.