ثالثًا:
أن السيادة «غير قابلة للتصرف فيها» بمعنى أنه لا يحق لصاحب السيادة التنازل عنها لغيره.
رابعًا:
أن «السيادة غير قابلة للتملك بمضي المدة» . ولذلك ففرض السلطان بالقوة والغصب لا يجعل للحاكم شرعية أو سيادة [1] , ولا يسقط مشروعية السيادة مهما طالت المدة.
يتضح من تتبع تطور الفكر السياسي الأوروبي أن نظرية السيادة إنما نشأت لتفسر واقع الصراع على السلطة العليا بين حكام وأباطرة أوروبا وإقطاعيها ومن بيدهم السلطة الزمنية متمثلة في «الإمبراطور» وبين السلطة الروحية متمثلة في «الكنيسة» , والذي انتهى إلى تركيز السلطة في يد ملوك أوروبا والقضاء على سلطة الكنيسة, وكذلك لتفسير الصراع الذي ظهر فيما بعد بين الحكم الفردي الاستبدادي متمثلًا في القياصرة والأباطرة وبين الجماهير والمفكرين المنادين بالحرية الإنسانية وحقوق الإنسان.
وقد اختلف المفكرون السياسيون الغربيون في تحديد مصدر السيادة باختلاف مساندتهم لأحد جانبي الصراع. ففي البداية أسند معظمهم السيادة إلى أسس إلهية. ولذلك برزت النظريات الثيوقراطية التي تزعم نظرية الحق الآلهي المباشر منها أن الحكام تم اختيارهم من الله تعالى مباشرة وأن العناية الآلهية هي التي أوصت بالشخص أو الأسرة التي لها الحق في قيادة الأمة وممارسة السلطة [2] . في حين تزعم نظرية الحق الآلهي غير المباشر أن السيادة تأتي من الله بطريق غير مباشر بمنحها لجمهور الأمة والتي يستمد الحاكمون منها سيادتهم [3] , وبالتالي فليس للشعب, بحسب هذه النظرية, أن يفاضل بين أشكال وأنظمة الحكم المختلفة وأن الحكومة الفاضلة هي التي تعمل من أجل الصالح العام [4] .
وقد انتقدت نظرية الحق الآلهي المباشر بأنها غالت في التزلف إلى الحكام مما زاد في غرورهم واستبدادهم [5] , أما نظرية الحق الآلهي غير المباشر فإنها تؤدي إلى إسباغ الشرعية على كافة الأنظمة
(1) د. فتحي عبدالكريم, مرجع سابق, ص 101 - 107.
(2) د. إسماعيل الغزال, القانون الدستوري والنظم السياسية, بيروت, المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع, 1406 - 1987, ص 88.
(3) د. عبدالحميد متولي, مبادئ نظام الحكم في الإسلام مع المقارنة بالمبادئ الدستورية الحديثة, الإسكندرية, منشأة المعارف, 1978, ص 167.
(4) إسماعيل الغزال, مرجع سابق, ص 88.
(5) المرجع السابق, ص 88.