والعدل والإباحة والآداب ومناهج المعيشة. فما قام على أساساها كان شرعيًا. وما خالف هذا الأساس كان مجافيًا للشرع, وما طابقها كان صحيحًا وما جافاها كان باطلا أو فاسدًا [1] .
نبحث في هذا الجزء النتائج العملية المترتبة على سيادة الشرع. لقد أدى تباعد العديد من فقهاء الشريعة عن معالجة الفقه السياسي للدولة الإسلامية, والضعف الفقهي والانحطاط الفكري العام في المجتمعات الإسلامية, وما رافق ذلك من سيادة الفكر الغربي في العالم المعاصر, إلى التباس العديد من المسلمين في فهم حدود الصلاحية التي أنيطت بالإمام أو الحاكم في ممارسة السلطان, وما جاء به الشرع من أحكام تنظيم مسئولياته وواجباته.
ونجم عن هذا الالتباس تسويغ لممارسات وتنظيمات تتعارض مع الشريعة الإسلامية وتصادم قاعدة سيادة الشرع إما مباشرة أو غير مباشرة, ولعل أعظم ما يظهر فيه التسويغ الأحوال التي أقرها الشارع لتدخل الدولة بوضع التشريعات والتنظيمات لرعاياها.
لقد أجاز العديد من الفقهاء في العصر الحديث تدخل الدولة في منع الرعية من مزاولة ما أباح الشارع فعله, وكذلك الإلزام بما لا يجب شرعًا الإلزام به, استنادًا إلى فهم خاطئ للأدلة الشرعية التي أمرت بطاعة الحاكم, وإلى الأدلة الشرعية التي أجازت للإمام تنظيم المباحات باجتهاده في أحوال مخصوصة, حيث لم يدرك الكثير مناط الأدلة وواقع الأحوال المخصوصة التي يجوز فيها ذلك التدخل من قبل الدولة. ولقد انتهى هذا البحث إلى أن هذه الأحوال لا تنحصر في مبادئ عامة كتحقيق العدالة والمساواة أو منع الظلم أو تحقيق المصلحة ودفع المفسدة بل هي قواعد شرعية منضبطة ومقررة بالشرع لا يجوز للدولة ولا لحكامها تجاوزها, ونجمل هذه القواعد فيما يلي قبل عرض أدلتها التفصيلية:
أولًا: لا يجوز للدولة تحليل المحرم أو تحريم الحلال أو تغيير الأحكام الشرعية لا بحجة المصلحة ولا بغيرها:
ثانيًا: يجوز تدخل الدولة بالمنع والإلزام مؤقتًا لأفعال الأصل فيها عدم إيجابها على الرعية أو عدم منعهم من إتيانها في أحوال مخصوصة هي:
1 -منع ما يؤدي إلى الضرر وإلى المحرم.
2 -تنظيم ما يتبع أجهزة الدولة كشئون موظفيها وجيشها.
3 -تنظيم ما يشترك المسلمون فيه كالأموال والملكية العامة والمرافق العامة مثل السير في الطرقات والانتفاع بالمراعي ومناجم المعادن ونحوه.
(1) المرجع السابق, ص 159.