الكتاب والسنة على تحريمه .. كما لا يشرع لهم من العبادات إلا ما دل الكتاب والسنة على شرعه. إن الدين ما شرعه الله والحرام ما حرم الله .. [1] .
ولهذا فإن تدخل الدولة لمنع ما يؤدي إلى الحرام أو الضر إنما يكون عند وجود الدليل والبينة الواضحة, وأن هذا التدخل هو الاستثناء لا القاعدة فالأصل عدم تغيير الأحكام الشرعية.
دلت الأدلة الشرعية, أيضا, على جواز تدخل الدولة بالمنع والإلزام لتنظيم شئون أجهزتها الخاصة بها من شئون موظفي الدولة ووحدات الجيش. والمدخل في ذلك أن الإمام راع وهو مسئول عن رعيته فله اختيار الأساليب المباحة التي يحتاج إليها ليسير أجهزة الدولة وشئونها. وقد يترتب على ذلك إلزام أو منع من يتعلق ذلك بهم من مسئولي الدولة وعمالها من فعل مباح لهم على وجه العموم لتعارض ذلك المباح مع حق الإمام في رعاية شئون أجهزة الدولة المنوطة باجتهاده. فمثلا يجوز للإمام أن يلزم من انتسب إلى الجيش بلباس مخصوص مناسب لذلك شريطة ألا يخالف الشرع كاللباس الكاشف للعورة ونحوه, وله أن يضع خططا عسكرية للتعبئة العامة وله أن يشترط على من يعمل في وظائف الدولة التقيد بما يضعه من تعليمات خاصة لسير العمل من حيث أوقات الدوام أو واجبات العمل أو المراتب الوظيفية ونحو ذلك.
ويدل على ذلك ما ذكره البيهقي من «أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا بعث عماله شرط عليهم أن لا تركبوا برذونا ولا تأكلوا نقيا ولا تلبسوا رقيقا ولا تغلقوا أبوابكم دون حوائج الناس فإن فعلتم شيئا من ذلك فقد حلت بكم العقوبة» [2] . وأخرج الحاكم قال كتب عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص أما بعد فإنه بلغني أنك اتخذت منبرا ترقى به على رقاب الناس .. فعزمت عليك لما كسرته» [3] .
وثبت أن سيدنا عمر بن الخطاب كان يقاسم عماله أموالهم التي تربو على رواتبهم, وكتب علي بن أبي طالب عهدا لبعض أصحابه على بلد ذكر فيه: «أما بعد فلا تطولن حجابك على رعيتك .. وأخرج البيهقي ولا تبيعن لهم رزقا ولا كسوة شتاء ولا صيف ولا دابة يعملون عليها ولا تقم رجلا قائما في طلب درهم .. » [4] وقد تم ذلك في حياة الصحابة وبعلمهم ولم ينكره أحد منهم فيكون دليلا من الإجماع السكوتي على أن للإمام أن يشترط ويختار من الأساليب المباحة ما يلزم به عماله وموظفي
(1) فتاوي بن تيمية, مرجع سابق, الجزء 28, ص 386.
(2) الشيخ محمد يوسف الكاندهلوي, حياة الصحابة, الجزء الثاني, بيروت, دار القلم للطباعة والنشر, 1403 هـ - 1983, ص 78.
(3) المرجع السابق, ص 80.
(4) المرجع السابق, ص 127 - 128.