عَذَابٌ أَلِيمٌ [1] : في هذه الآية التمسك بسد الذرائع (التي تؤدي إلى حرام) وهو مذهب مالك وأصحابه وأحمد في رواية عنه, وقد دل على هذا الأصل الكتاب والسنة. والذريعة عبارة عن أمر غير ممنوع في نفسه يخاف من ارتكابه الوقوع في الممنوع. أما الكتاب فهذه الآية وقوله تعالى {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [2] .
وقد أشار الإمام الشاطبي إلى أن عدم قتل الرسول صلى الله عليه وسلم للمنافقين مع ظهور نفاقهم وعلمه بحالهم يعد قاعدة من قواعد سد الذرائع خشية وقوع مفسدة أكبر منها وهو حديث الناس أن محمدا عليه السلام يقتل أصحابه [3] .
ومن ذلك يظهر أن الأصوليين متفقون على تحريم ما يتحقق أنه يؤول إلى حرام أو ضرر, ولذلك فإن للدولة أن تتدخل لمنع ظهور أي فعل يؤدي إلى حرام أو ضرر. وقد ظهر من الشواهد في سيرة الصحابة إقرارهم تدخل الدولة لمنع الضرر, حيث ثبت إجماع الصحابة على قبول ما فعله الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه حين أمر بإحراق المصاحف التي تخالف حرف قريش ومنع تداولها لمنع الضرر الناجم عن التفرق والاختلاف بين المسلمين بسبب ذلك وكذلك قيام عمر رضي الله عنه بإلزام كبار الصحابة بالمكوث في المدينة ومنعه من مغادرتها وسكن الأمصار لمنع الضرر الحاصل بخلو عاصمة الدولة من أهل الاجتهاد والفتيا الذين يحتاج إليهم عند حصول النوازل. ولكن ذلك يقتضي التثبت من أن الفعل يؤدي إلى المحرم بالظن الراجح, فليس كل ما يحتمل عنه مفسدة يمنع بمجرد الاحتمال, كما ينبغي أن تكون المفسدة المحرمة أعظم من المصلحة المقررة للفعل. يقول الشاطبي:
الأمور الضرورية أو غيرها من الحاجية أو التكميلية إذا اكتنفها من خارج أمور لا ترضي شرعا فإن الإقدام صحيح على شرط التحفظ بحسب الاستطاعة من غير حرج .. (نحو) طلب العلم إذا كان في طريق مناكر يسمعها ويراها, وشهود الجنازة وإقامة وظائف شرعية إذا لم يقدر على إقامتها إلا بمشاهدة ما لا يرتضي؛ فلا يخرج هذا العارض تلك الأمور عن أصولها [4] .
ويقرر شيخ الإسلام ابن تيمية أنه عند الاشتباه فيما إذا كان الأمر يؤول إلى المفسدة والمحرم من عدمه فإن الأصل التقيد بما شرع فيقول:
ما تنازع فيه المسلمون لخفائه واشتباهه فقد يرى هذا .. صحيحا وعدلا, وإن كان غيره يرى فيها جورا يوجب فساده. والأصل في هذا أنه لا يحرم على الناس من المعاملات التي يحتاجون إليها إلا ما دل
(1) سورة البقرة, آية 104.
(2) تفسير القرطبي, مرجع سابق, الجزء الثاني, ص 57 - 58.
(3) الشاطبي, الموافقات, مرجع سابق, الجزء الرابع, ص 196 - 200.
(4) الشاطبي, الموافقات, مرجع سابق, الجزء الرابع, ص 210.