فرنسا الصادر في 24 يونيو/ حزيران 1793 على مبدأ سيادة الشعب بالتأكيد في المادتين 25/ 26 منه على «أن السيادة تكمن في الشعب ... وليس لأي قسم من الشعب أن يمارس سلطة الشعب بكامله ... » [1] .
ومن نتائج تبني مفهوم السيادة الشعبية أن الاقتراع يصبح حقًا للأفراد لامتلاكهم جزءًا من السيادة. كما أن مبدأ السيادة الشعبية يقتضي قيام نظام جمهوري لأنه ينظر إلى إرادات الأفراد الحاضرة التي تحدد نظام الحكم. هذا بعكس نظرية سيادة الأمة التي تتفق والأنظمة المختلفة على أساس أن سيادة الأمة تتكون من الأجيال السابقة والحالية واللاحقة, كم تؤدي نظرية السيادة الشعبية إلى الديموقراطية المباشرة, فقد أكد روسو:
أن «الإرادة العامة» التي هي التعبير عن السيادة الشعبية يجب أن يعبر عنها الشعب بذاته بصورة مباشرة. والقانون, وهو تجسيد للإرادة العامة يجب أن يصدر هو أيضًا عن الشعب بالذات. ولا شك أنه يستحيل في الدول الكبرى أن يناقش مجموع الموطنين القانون. إلا أن الشعب يستطيع كل حين التصديق عليه. وهذا هو نظام الاستفتاء ... [2] .
والمتتبع للواقع السياسي يدرك أن نظرية السيادة الشعبية نظرية غير واقعية حيث أن ممارسة السلطة والتشريع تتركز في يد فئة من الشعب وليس في مجموع المواطنين, وكثيرًا ما ينجح أصحاب الثروات والسلطات في تزييف الإرادة الشعبية عن طريق الضغوط الاقتصادية واستغلال عواطف الجماهير.
أضف إلى ذلك أنه قد يترتب على هذه النظرية, أيضًا, الاستبداد السياسي وضياع حقوق الأفراد, كما أن جعل السيادة للشعب وخضوع الدولة لإرادته قد يؤدي إلى «أحداث خطيرة كالثورات والثورات المضادة مما يلحق الضرر بالشعب وبمؤسسات الدولة» [3] .
لقد أدت سيطرة فكرة السيادة على التفكير السياسي لعلماء السياسة ورجال القانون الدستوري في بلاد المسلمين إلى ظهور عدة اتجاهات في تحديد مصدر السيادة في الفكر السياسي الإسلامي المعاصر. ومع التأكيد بأن البحث أساسًا في صاحب السيادة ومصدرها إنما ظهر كنظرية فرنسية في الأصل تقوم على أساس فلسفي معين اصطنعها رجال القانون الفرنسي لأهداف معينة [4] , وأن الظروف التاريخية التي أدت إلى استنباطها لم تعد قائمة في عصرنا وأن العلماء المسلمين المعاصرين الذين أثاروها في البداية إنما
(1) راجع اندريه هوريو, مرجع سابق, ص 318.
(2) المرجع السابق, ص 319.
(3) د. إسماعيل الغزال, مرجع سابق, ص 93.
(4) د. متولي, نظام الحكم في الإسلام, مرجع سابق, ص 171.