الصفحة 3 من 52

أدت سيطرة المفاهيم الغربية على الواقع السياسي المعاصر في العالم إلى بروز أفكار ونظريات جديدة كان من أبرزها نظرية السيادة التي أصبحت الركيزة الأساسية لتحديد مصدر السلطة السياسية في الدول الحديثة. ولما كان الفكر الغربي يرتكز على مبدأ فصل الدين عن الدولة, فقد نجم عن ذلك إقرار سيادة الأمة أو السيادة الشعبية وخضوع الممارسات السياسية والقوانين التشريعية, تبعًا لذلك, لآراء وأهواء ممثلي الأمة التي أصبحت مصدرًا للسلطات.

ومنذ أوائل القرن الحالي سعى الاستعمار الغربي إلى نشر مفاهيمه عن السيادة في بلاد المسلمين بهدف بسط الهيمنة والقوانين الغربيين فيها وتأصيل النزعة اللادينية لإقصاء الإسلام عن واقع الحياة والتشريع, مما جعل أغلب الدول المستعمرة والتابعة تسارع إلى إقرار مبدأ السيادة الشعبية لإظهار وتأكيد توافق أنظمتها مع الأنظمة الغربية, بالإضافة إلى تعطيل الأحكام الشرعية الكلية والجزئية بحجة تغير الأحكام بتغير الزمان والظروف المحيطة بالدولة. وقد ارتبط تغيير الأحكام, نتيجة لذلك بالدوافع السياسية والاقتصادية والاجتماعية فنشأ العديد من التحالفات والتكتلات السياسية المضادة لوحدة الأمة الإسلامية بحجة المصلحة؛ وأقيمت المؤسسات الرأسمالية الاقتصادية بحجة الضرورة, وحدد النسل ومنع تعدد الزوجات بحجة معالجة الانفجار السكاني, ونودي بحرية المرأة بحجة منحها حقوقها ... وهكذا.

يقول الشيخ مناع القطان في هذا الصدد:

ولقد استبدلت كثير من دول الإسلام بشريعة الله قوانين البشر ومذاهبهم, ورفعت شعارات براقة, وأوهمت شعوبها بأن هذا هو سبيل رخائها وعزها, فماذا كانت النهاية؟ كان عار الهزيمة, وذل الخيانة, ومأساة التضليل, وانهيار الاقتصاد, وفساد المجتمع, وضياع الفضيلة, وإهدار القيم, ووأد الحريات, وهوان الاستسلام ... [1] .

وانطلاقًا من الجزم بسمو ورقي الشريعة الإسلامية وتفوقها على ما تقوم عليه المجتمعات المعاصرة من مبادئ وأنظمة وضعية, يعالج هذا البحث قضيتين أساسيتين: أولاهما, البحث في مصدر السيادة ونقض مفهوم انحصار السيادة في الأمة, حيث يؤكد البحث بالأدلة الشرعية أن السيادة والحاكمية للشرع الإسلامي ويقرر ما يترتب على سيادة الشرع من بطلان كافة ما يخالفه, ووجوب إرجاع كل أمر مختلف فيه الشرع [2] .

(1) الشيخ مناع خليل القطان, وجوب تحكيم الشريعة الإسلامية, الرياض, إدارة الثقافة والنشر، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية, 1405/ 1985, ص 209 - 210.

(2) لقد تناول مبدأ سيادة الشرع عدد من علماء وفقهاء الشريعة, وهذا البحث يعرض المبدأ من أجل تأصيله كركن أساسي من أركان الحكم الإسلامي ولإزالة شبهات لا تزال مثار بحث في الدراسات السياسية الإسلامية المعاصرة, كما لا يقف البحث عند عرض المبدأ فقط بل يتجاوزه إلى ربط سيادة الشرع بالأحكام والممارسات العملية التفصيلية في الدولة الإسلامية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت