وبالإضافة إلى تدخل الدولة لتنظيم مرافق الجماعة ومصالح المسلمين ثبت كذلك بالأدلة الشرعية أن الفروض التي يلزم المسلمين القيام بها بوصفهم جماعة, إذا كان إقامتها منوط بالدولة فإن للدولة حينئذ أن تحدد الوسائل والأساليب المناسبة لذلك وأن تلزم الرعية بها. ومثال ذلك إقامة الجهاد فإن إقامته منوطة بالدولة وذلك يستدعي وضع نظام إجرائي للتدريب على الجندية ولاكتتاب المجاهدين, فللدولة حينئذ سن نظام يحدد ذلك, وقد ثبت في السنة أن الرسول صلى الله عليه وسلم سن نظام الاكتتاب للجهاد والإلزام لمن اكتتب بالخروج إلا أن يأذن له, فقد أخرج البخاري أن رجلا قال «يا رسول الله اكتتبت في غزوة كذا وكذا, وخرجت امرأتي حاجة. فقال: اذهب فاحجج مع امرأتك» [1] .
ومن أمثلة الفروض المنوط إقامتها بالدولة جمع أموال الزكاة وتوزيعها على مستحقيها والإمام ينظم ذلك وقد ثبت قيام الرسول عليه الصلاة والسلام وخلفائه بإرسال عمالهم لجمع الصدقات وتحديد كيفية قيامهم بعملهم. كذلك فإن أبا بكر الصديق لما استخلف كتب لعامله حين وجهه إلى البحرين يطلب منه عدم الجمع بين الأموال المختلفة عند فرض الزكاة وقال «لا يجمع من متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة, وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية» [2] .
وروى مالك في الموطأ أن عثمان بن عفان كان يحدد شهرا معينا لجمع الزكاة وكان يقول «هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليؤد دينه حتى تحصل أموالكم فتؤدون منها الزكاة» [3] .
ومن ذلك يظهر أن للإمام أن يضع تنظيما إجرائيا يلزم به في الفروض المنوط إقامتها بالدولة كالزكاة والجهاد ونحو ذلك.
ومن فروض الكفاية على المسلمين دفع الأموال لإطعام الجياع ولإغاثة اللهفان عند حصول الكوارث كالزلازل والفيضانات, وذلك إذا لم يتوفر المال الكافي في بيت مال المسلمين. وإقامة هذا الفرض منوط بالدولة لتنظيم تحصيل الأموال من المسلمين وتوزيعها على مستحقيها, فلها حينئذ وضع تنظيم ملزم تحدد به مقدار الضريبة المالية الشرعية المطلوبة للقيام بهذا الفرض وهكذا.
ومع ثبوت حق الدولة في التدخل لتنظيم الفروض المنوط إقامتها بها, إلا أنه ينبغي ملاحظة أن تدخل الدولة لا يكون إلا في الفروض التي لا تتم إلا بتنظيم الدولة لها. ولهذا فإن الفروض التي يمكن القيام بها فرديا أو جماعيا من المسلمين, فإن دور الدولة يقتصر فيها حينئذ على الإشراف العام لضمان إقامتها دون إلزام المسلمين بتنظيم إجرائي معين لذلك. فليس للدولة, على سبيل المثال, لإقامة الصلوات جماعة
(1) فتح الباري, مرجع سابق, جزء 6, ص 143.
(2) جامع الأصول, مرجع سابق, الجزء الخامس, ص 310.
(3) جامع الأصول, مرجع سابق, الجزء الخامس, ص 346.