وهذا يدل على أن تغيير الحكم إنما صدر من الشارع لمعالجة أحوال معينة. ولذلك, ليس لأحد أن يغير الحكم الشرعي بناء على ما يراه من مصلحة عقلية.
ويقول الإمام ابن تيمية:
القول بالمصالح المرسلة يشرع في الدين ما لم يأذن به الله .. والقول الجامع أن الشريعة لا تهمل مصلحة قط بل الله تعالى أكمل لنا الدين وأتم النعمة .. لكن ما اعتقده العقل مصلحة وإن كان الشرع لم يرد به فأحد الأمرين لازم له إما أن الشرع دل عليه من حيث لم يعلم هذا الناظر, أو أنه ليس بمصلحة وإن اعتقده مصلحة وكثيرا ما يتوهم الناس أن الشيء ينفع في الدين والدنيا ويكون فيه منفعة مرجوحة بالمضرة [1] .
ومما سبق يتبين أن لا دليل البتة لمن زعم أن الأخذ بالمصالح المرسلة يعني جواز تغيير الأحكام ونسخها وتبديلها من قبل الحكام وغيرهم. وهذا يدل على أن سيادة الشرع الإسلامي تقتضي عدم تغير الأحكام استنادا إلى العقل أو المصلحة لما يترتب على ذلك من تقديم العقل على الشرع, وهو ما علم فساده شرعا.
بعد أن بينا بالتفصيل عدم جواز تدخل الدولة بتغيير الأحكام الشرعية بناء على المصلحة نبحث فيما يلي الأمر الثاني المتعلق بالأطر التي أجاز الشارع فيها للدولة التدخل بالمنع والإلزام لأفعال الأصل فيها عدم المنع أو الإلزام ابتداءً.
أجاز الشارع للدولة التدخل وإصدار تشريعات أو أوامر تنفيذية بالمنع أو الإلزام لتنظيم المباحات في أحوال مخصوصة. الحالة الأولى عند تحقق كون فعل غير محرم شرعا يؤدي إلى وقوع ضرر محقق أو يوصل إلى محرم مؤقتا, والحالة الثانية في تنظيم شئون الدولة التابعة لاجتهاد الإمام, والحالة الثالثة في تنظيم ما يشترك فيه المسلمون من المرافق والملكية والأموال العامة. والحالة الرابعة في تحديد الوسائل والأساليب لتنفيذ الفروض المناط إقامتها بالدولة.
أما الحالة الأولى فإنه من الثابت أن الشرع جاء بمنع الضرر وتحريم الإضرار فرديا كان أم جماعيا. يقول عليه السلام «لا ضرر ولا ضرار» [2] من تطبيقات ذلك أن الله تعالى حرم فعل الضرر من الزوج
(1) فتاوى ابن تيمية, مرجع سابق, جزء 11, ص 342 - 345.
(2) محمد ناصر الدين الألباني, صحيح سنن ابن ماجة, الرياض, مكتب التربية العربي لدول الخليج, الجزء الثاني, الطبعة الثالثة 1408 هـ - 1988, حديث رقم 1895, 1986, ص 39.