ولهذا لا خلاف في إدراج حكم الوسيلة أو الأداء أو الأسلوب تحت حكم الفعل فالوسيلة إلى حرام محرمة والوسيلة إلى واجب واجبة حتى لو أطلق على هذا المصلحة المرسلة, حيث يندرج تحت حكم الأفعال الشرعية أساليب ووسائل متعددة تختلف من عصر لآخر ومن مكان لمكان. ولكن الخطأ الفاحش إنما هو في اعتبار الاستدلال بالمصالح موجبا لتغيير الأحكام الشرعية وتبديلها ومخالفتها من قبل الدولة والأفراد. ولهذا يؤكد الإمام الشاطبي أن شرط اعتبار المصلحة المرسلة.:
الملائمة لمقاصد الشرع بحيث لا تنافي أصلا من أصوله ولا دليل من أدلته .. وأن عامة النظر فيها إنما هو فيما عقل منها ... التي إذا عرضت على العقول قبلتها فلا مدخل لها في التعبدات ... كالوضوء والصلاة والصيام, وأن حاصل المصالح المرسلة يرجع إلى حفظ أمر ضروري ... من باب ما لا يتم الواجب إلا به, فهي إذن من الوسائل لا من المقاصد [1] .
ويقول الشيخ محمد الخضر حسين يرحمه الله:
ليس في الأخذ بالمصالح المرسلة فتح طريق يدخل فيه العوام إلى التصرف في أحكام الشريعة على ما يلائم آرائهم أو ينافرها - كما ظنه بعض الكاتبين - فإن شرط الأخذ بهذه المصالح من عدم ورود دليل شرعي على رعايتها أو إلغائها يرفعها أن تكون في متناول العامة إذ لا يدري أن هذه المصلحة لم يرد في مراعاتها أو إهمالها دليل شرعي إلا من كان أهلا للاستنباط .. وأنى للمقلد أن يدعي غلبة الظن أن هذه المصلحة فيها؟ تحصيل مقصود الشارع وأنها لم يرد في الشرع ما يعارضها ولا ما يشهد بإلغائها مع أنه لا بحث له في الأدلة ولا نظر له فيها؟ وهل هذا إلا اجتراءً على الدين؟ [2] .
ويقرر الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله توضيحا لمعنى تغير الفتاوى باختلاف الأزمنة للمصلحة بأن ذلك مقيد بما نص عليه الشارع في أحوال مخصوصة. وليس على الإطلاق, فيقول إن الأمثلة المستدل بها على هذا القول نحو:
أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تقطع الأيدي في الغزو ومنها أن عمر بن الخطاب أسقط القطع في عام المجاعة .. فالجواب أن هذا من باب العقوبات الشرعية (والتي حدد الشارع) خفتها وغلظتها وإقامتها وترك إقامتها أحيانا .. من باب درء الحدود بالشبهات فترك إقامة الحد في الغزو, وترك قطع يد السارق في المجاعة وترك إنكار المنكر إذا أفضى إلى ما هو أنكر منه مقيدا بهذه الأحوال مخصوص بها .. ولا يسري إلى ما عداها بال [3] .
(1) أبو إسحاق الشاطبي, الاعتصام, الجزء الثاني, بيروت, دار المعرفة, (بدون تاريخ) , ص 129 - 133.
(2) محمد الخضر حسين, رسائل الإصلاح, الجزء الثاني, الدمام, دار الإصلاح, 1981, ص 153 - 154.
(3) فتاوى بن إبراهيم, مرجع سابق, الجزء 6, ص 45 - 47.