الصفحة 36 من 52

كثير مما ابتدعه الناس من العقائد والأعمال من بدع أهل الكلام وأهل التصوف وأهل الرأي وأهل الملك حسبوه منفعة ومصلحة وحقا ولم يكن كذلك, بل كثير من الخارجين على الإسلام من اليهود والنصارى والمشركين والمجوس يحسب كثير منهم أن ما هم عليه من الاعتقادات والمعاملات والعبادات مصلحة لهم. فقد ظل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا وقد زين لهم سوء عملهم فرأوه حسنا [1] .

ولذلك ما نهى الله عنه ورسوله باطل ممتنع أن يكون مشتملا على منفعة خالصة أو راجحة, ولذلك صارت أعمال الكفار والمنافقين باطلة [2] .

وقد يستدل البعض على جواز تغيير الأحكام من قبل الدولة بناء على المصلحة من بعض الشواهد المنقولة عن السلف نحو أمر سيدنا عثمان بتحريق المصاحف التي ليست على لغة قريش ونحو عدم إقامة الحدود في الغزو. ولكن هذه الشواهد موضوعها دفع الضرر ومنع ما يؤدي إلى الحرام وليس المصلحة. ولا شك أن هذه معتبرة ويجوز للدولة التدخل لدفع الضرر المحقق ومنع ما يؤدي إلى الحرام وهو ما سيجري تفصيله لاحقا. وإنما الذي لا يجوز هو تغيير الدولة لأحكام أو إقرار ما يخالفها بناء على مصالح تتوخاها ورغبة في مسايرة هوى الأمة وليس لدفع الضرر المحقق الثابت وقوعه عن المسلمين.

كما وقد يستدل البعض على جواز تغيير الأحكام وتبديلها من قبل الحكام بما ينقل عن بعض علماء الأصول من الاستدلال «بالمصالح المرسلة» لاستنباط الأحكام الشرعية. لقد غفل هؤلاء الذين يرون التغيير أن المصلحة المرسلة في عرف علماء الأصول هي «المصلحة التي لم يدل دليل شرعي على اعتبارها أو إلغائها» [3] , أما إذا ظهر حكم شرعي في مسألة فلا وجه للاستدلال بالمصلحة المرسلة لأن ثبوت دليل الحكم الشرعي يلغي وجود المصلحة المرسلة. كما أن مقصود الفقهاء بالمصلحة المرسلة, والتي ضربوا عليها أمثلة تدوين الدواوين واتخاذ السجون, إنما هو في مشروعية الأساليب والأدوات التي يتوصل بها إلى تنفيذ الحكم الشرعي, ولا شك أنه متى جاء الشارع بطلب فعل أو الامتناع عنه فإن الأسلوب والأداء والوسيلة التي يتوصل بها إليه تعد مندرجة تحت حكم الفعل وليست بحاجة إلى دليل مستقل ينص عليها. فقوله تعالى {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} [4] يندرج تحته وجوب إعداد الطائرات والدبابات وغيرها من وسائل القتال في عصرنا كما اندرج تحته وجوب إعداد السيوف والرماح والمنجنيق في عصور سابقة.

(1) فتاوى ابن تيمية, مرجع سابق, الجزء 11, ص 345.

(2) المرجع السابق, ص 348.

(3) عبدالوهاب خلاف, علم أصول الفقه, مرجع سابق, ص 84.

(4) سورة الأنفال, آية 60.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت