قد قصد بالتشريع إقامة المصالح الأخروية والدنيوية وذلك على وجه لا يختل لها به نظام ... (و) الشارع قاصد بها أن تكون مصالح على الإطلاق فلا بد أن يكون وضعها على ذلك الوجه أبديا وكليا وعاما .. والمصالح المجتلبة شرعا والمفاسد المستدفعة شرعا إنما تعتبر من حيث تقام الحياة الدنيا للحياة الأخرى لا من حيث أهواء النفوس في جلب مصالحها العادية أو درء مفاسدها العادية .. والشريعة إنما جاءت لتخرج المكلفين من دواعي أهوائهم حتى يكونوا عبادا لله .. فالمعتبر إنما هو الأمر الأعظم وهو جهة المصلحة التي هي عماد الدين والدنيا لا من حيث أهواء النفوس .. والعادة تحيل استقلال العقول في الدنيا بإدراك مصالحها ومفاسدها على التفصيل [1] .
وبالإضافة إلى ما سبق ذكره من كون العقول لا تستقيم في إدراك جميع المصالح, فإنه حتى مع افتراض أن الشرع دل على وجوب اتباع المصلحة وجعلها أصلا كليا, فما هو الدليل على تقديم المصلحة العقلية الجزئية على النصوص عند التعارض؟ , فحتى مع التسليم بالأخذ بالمصلحة كأصل كلي فإنه يجب, في الوقت نفسه, التسليم باتباع النصوص الجزئية وليس من سبب يوجب تقديم المصلحة الجزئية على النص المحدد المبين للحكم في حالة مخصوصة, والأولى عند ظهور التعارض الأخذ بالنص لأنه من المقطوع وجود المصلحة في اتباعه, بينما اتباع المصلحة العقلية وتحققها إنما هو أمر ظني. أضف إلى ذلك, إن كل نص إنما يدل على مصلحة معينة وبإسقاط الأحكام ومخالفة النصوص تتعذر المحافظة أصلا على المصالح التي جاءت بها هذه النصوص.
يقول الإمام الشاطبي:
إذا ثبت بالشريعة قاعدة كلية .. فلا بد من المحافظة عليها بالنسبة إلى ما يقوم به الكلي وذلك الجزئيات, فالجزئيات مقصودة معتبرة في إقامة الكلي .. وإهمال القصد في الجزئيات مرجع إلى إهمال القصد في الكلي .. فلا بد من صحة القصد إلى حصول الجزئيات وليس البعض في ذلك أولى من البعض فالحكم القصد إلى الجميع [2] .
أي يجب الجمع بين العمل بالنصوص والأخذ بالمصلحة في الوقت نفسه, وعليه فإن مجرد توهم وجود نصوص تخالف مصالح العباد إنما هو سوء اعتقاد بالله عز وجل, فإنه من مقتضيات حكمته وربوبيته ورحمته للخلق أن تكون شريعته وأحكامها محققة لمصالح الخلق في الدنيا والآخرة. كما أنه عند التعارض مع النصوص ينبغي اتهام العقول بالنقص والعجز حيث أنه كما يذكر ابن تيمية:
(1) أبو إسحاق الشاطبي، الموافقات في أصول الشريعة، تحقيق د. دراز، الجزء الثاني، بيروت، دار المعرفة، (بدون تاريخ) ص 37 - 39 و 48.
(2) المرجع السابق, ص 61 - 63.