الصفحة 34 من 52

ويقرر أحد دعاة هذه الشبهة بناء على ذلك بأنه «قد تقضي الحكمة والحزم بأن لا يعمل بالنص في أحواله خاصة ترجيحا للمصلحة» [1] وأنه «لا يعد من المخالفة لنصوص الشرع إذا علمنا بروحها. ولم نقف عند حرفيتها إذا قضت المصلحة بذلك» . [2]

وقد استند الذين أباحوا نسخ وتخصيص أحكام الشريعة على العقل الذي جعلوه حكما في تحديد المصالح على وجه التفصيل, وهو المذهب الذي نشأ مع فرقة المعتزلة, وتوهموا, نتيجة لذلك, إمكانية التعارض بين الشرع والمصالح ثم بنوا على ذلك الحكم بترجيح المصلحة وتعطيل النص.

ومن الواضح أن جعل العقل وحده مقياسا للمصالح لا يصح لأن عقول البشر عرضة للأهواء والتأثر بالشهوات وإنما قد يدرك العقل الحسن أو القبح فيما يتعلق بالنافع والضار والملائم للإنسان والمنافي له ومن حيث اللذة والألم. وقد يدرك العقل المصلحة إجمالا بإدراكه صحة رسالة الإسلام وكون نبوة سيدنا محمد عليه السلام حق ولكن مع ذلك يحتاج إلى الشريعة في تحديد المصلحة على وجه التفصيل وفي معرفة ما يرضي الله تعالى وما يسخطه وتأثر العقول وتضارب إدراكها للمصالح لا يخفي على أي متأمل. وبالنظر في الواقع التشريعي لمعظم دول العالم نجد التناقض الذي لا نهاية له بين تشريعات الدول المختلفة مع زعم الكل الحرص على المصلحة والرغبة في تحقيقها. فهناك دول تحظر التعددية الحزبية ودول تدعو إليها, ودول تحظر الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج ودول تبيحها, ودول تفرض عقوبة الإعدام للقاتل وأخرى تحظره, وما يعد جريمة في مكان لا يعد جريمة في مكان آخر, وهذا كله يثبت أنه لا يمكن للعقول أن تقطع بالمصلحة أصلا أو أن تثبت وجودها في كل فعل. ولذلك, لا يبقى إلا التسليم بأن تحديد المصالح إنما هو لخالق الإنسان العليم الخبير بحاله وأن المصالح إنما يدل عليها شرع الله عز وجل وأحكام دينه المبينة في نصوص الشرع فتكون المصلحة لذلك هي ما وافق الشرع وحيثما كان شرع الله فتلك هي المصلحة.

يقول الإمام ابن تيمية:

لولا الرسالة لم يهتد العقل إلى تفاصيل النافع والضار في المعاش والمعاد فمن أعظم نعم الله على عباده .. أن أرسل إليهم رسلا وأنزل إليهم كتبه .. ولولا ذلك لكانوا بمنزلة الأنعام والبهائم بل هم أشر حالا منها .. فمن قبل رسالة الله واستقام عليها فهو من خير البرية, ومن ردها وخرج عليها فهو من شر البرية وأسوأ حالا من الكلب والخنزير [3] .

ولذلك يؤكد الإمام الشاطبي أنه:

(1) المرجع السابق, ص 154.

(2) المرجع السابق, ص 151.

(3) فتاوى ابن تيمية, مرجع سابق, جزء 19, ص 100.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت