اليقين وجودة العزم ليس بحرج» [1] . أي أن مع عظم الخطر باحتمال القتل عند مواجهة الفرد لاثنين, فإن الشارع مع ذلك لم يعتبره حرجا لموافقته لأمره.
هذا فضلا عن أن الآية الكريمة التي يستشهد بها أولئك تدل على أن معنى الحرج التكليف بما لا يطاق حيث يقول تعالى {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} ويفسر القرطبي الجهاد في الله حق جهاده بقوله:
امتثال جميع ما أمر الله به والانتهاء عن كل ما نهى الله عنه, أي جاهدوا أنفسكم في طاعة الله وردها عن الهوى وجاهدوا الشيطان في رد وسوسته والظلمة في رد ظلمهم والكافرين في رد كفرهم [2] .
وبذلك يظهر خطأ القول الذي يزعم أن أحكام الشريعة الدستورية والقضائية وتفاصيلها العملية المبينة بالسنة سبب في الحرج. فالحقيقة أن تلك الأحكام تنفي الحرج وهي رحمة الله المهداة إلى العالمين وبها يخرج الناس من الظلمات إلى النور ومن الجور إلى العدل الذي ليس بعده عدل.
يقول الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله:
يسر الشريعة وسماحتها أن مفردات شرائعها جاءت على السهولة كقصر الرباعية ونحو هذا .. ليس معناه ترك الواجبات وفعل المحرمات بل يجب القيام بما أمر الله به .. الشرع المطهر صالح لكل زمان ومكان .. معنى ذلك أنه ما من زمان تطورت مشاكله واتسعت إلا في الشريعة بيان حكمها .. وتطور الزمان لا يخرج شيئًا عن حكمه الشرعي [3] .
ومن الشبهات التي ترد في هذا المجال, بهدف تغيير أحكام الشرع وتعطيلها, ما يستدل به البعض من أنه نظرا لكون الشرع جاء للمصلحة والمحافظة على الضرورات من نفس ومال ودفع ما يترتب على ذلك من فوات المصالح فإن المصلحة لذلك تقدم على الدليل الشرعي. ويستشهدون على ذلك بما نقل عن بعض الفقهاء المتأخرين كالطوفي من أن:
النصوص تقبل النسخ ولكن المصلحة لا تقبله ثم أن النصوص إذا سلمت من النسخ لا تسلم من التخصيص بخلاف المصلحة. وما يكون غير قابل للإلغاء في بعضه أو كله (وهو يشير إلى المصلحة) هو أقوى مما يقبل الإلغاء في كله أو بعضه بالتخصيص (وهو النصوص) ... وأن الشارع هو الذي جعل المصلحة أصلا ودليلا فتقديمها هو تقديم لأحد أصوله [4] .
(1) تفسير القرطبي, الجامع لأحكام القرآن, جزء 12 بيروت, دار إحياء التراث العربي, 1965, ص 101.
(2) المرجع السابق, ص 99.
(3) فتاوى محمد بن إبراهيم, الجزء الثاني, ص 5, 6.
(4) د. متولي، الشريعة الإسلامية كمصدر أساسي، مرجع سابق، ص 156 - 157.