الصفحة 32 من 52

خلاف فيه بين العلماء .. أما القسم الثاني وهو الظاهر فهذا يجب العمل به في الأحكام الشرعية, باتفاق العلماء المعتبرين [1] .

كما أن من الخطأ الفادح المساواة بين تغيير الأحكام والاختلاف في فهم الحكم الشرعي, فلقد أقرت الشريعة الاختلاف بين المجتهدين في فهم الحكم الشرعي بناء على ما يتوفر للمجتهد من أدلة وقرائن الاستنباط, ولكن هذا بخلاف أن يعمد الحاكم أو غيره إلى تغيير الحكم الشرعي الثابت بالدليل إلى خلافه لمجرد المصلحة أو أماني الناس ورغباتهم فإن هذا من اتباع الهوى المذموم بالكتاب والسنة.

كذلك تظهر المغالطة جلية بما ضرب من أمثلة في حق الحاكم في تغيير الأحكام من نقل الواجب إلى المحرم نحو أكل الميتة للمضطر وغيره. لأن الذي نقل الحكم ليس الحاكم بل هو أمر الله تعالى ورسوله, فالشارع هو الذي أمر بتغيير الحكم وليس الحاكم بما له من إمرة وسلطان, فالحاكم ليس له سوى تنفيذ ما شرع الله ورسوله وليس تغيير أحكامهما.

ومن الشبهات التي تورد بهدف تعطيل أحكام الشريعة إما عن جهل أو سوء نية ما يذكره البعض بأنه نظرًا لأن الشرع جاء «بنفي الحرج» والتيسير في الأحكام والتي دل عليها القرآن الكريم بقوله عز وجل {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [2] , وقوله تعالى {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [3] , فإننا «إذا وجدنا العمل بالنصوص الخاصة بمسئلة من المسائل من شأنه أن يؤدي إلى الوقوع في الحرج كان واجبا أن لا تطبق النصوص الخاصة على تلك المسألة» [4] , وأن «كل أمر أوجبه الشرع قد ينقلب إلى آخر يحرمه الشرع إذا ترتب على تنفيذ هذا الأمر حرج أو أذى أو فتنة» . [5]

وقد أخطأ من أورد هذه الشبهة متوهما أن الحرج هو وجود المشقة مع أن معنى الحرج في منظور الشرع هو التكليف بما لا يطاق والضيق الذي ليس منه مخرج. يقول ابن كثير في تفسير قوله عز وجل {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} أي ما كلفكم ما لا تطيقون وما ألزمكم بشيء يشق عليكم إلا جعل الله لكم فرجا ومخرجا» [6] , وقال القرطبي «قال العلماء رفع الحرج إنما هو لما استقام على منهاج الشرع, وليس في الشرع أعظم حرجا من إلزام ثبوت رجل لاثنين في سبيل الله - ومع صحة

(1) فتاوى ابن تيمية, مرجع سابق, الجزء 20, ص 247 - 259.

(2) سورة الحج, آية 78.

(3) سورة البقرة, آية 185.

(4) د. عبدالحميد متولي, الشريعة الإسلامية كمصدر أساسي للدستور, الإسكندرية, منشأة المعارف, الطبعة الثالثة, 1975, ص 135.

(5) المرجع السابق, ص 138.

(6) تفسير ابن كثير, مرجع سابق, الجزء الرابع, ص 668.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت